إتحاف النبيل بأخبار الفقيه شرحبيل

لا شك أن سوس العالمة تعج بالعلماء والصلحاء والقراء والنظار في العصر الحديث، فقد أدرك منهم المختار السوسي طائفة، فكم من عالم قال في صدر ترجمته حي، أو في وسطها طالب نجيب، وهو الآن ميت، وما هي إلا عقود يسيرة حتى تتابع موتهم واحداً واحداً، ولو انتدب أحد نفسه لجمع وفياتهم لأضاف للتراث السوسي منفعة تاريخية جمة..

ومما يثير الدهشة ويدعو للاستغراب أن غالبهم بالرفيق الأعلى في أزمان متقاربة جداً، خاصة سنة 2017 حتى سميت بعام الحزن لكثرة من مات فيها من الفقهاء، وما زال الأمر على ذلك وزيادة. نعم إن موت العلماء وغيرهم سنة كونية جرت في خلقه، لكن المصيبة التي تنشق لها الأرض وتخر لها الجبال هداً هي قلة العلماء، وشدة مسيس الحاجة إليهم، وانعدام الخلف، واندارس أصالة مواطن تخرجهم، وزادتها معاصرة تغيير مناهج التعليم في المدارس والمعاهد الشرعية والجامعات الطينة بلة، والداء علة، فقل أن يخرج من مجموعها عالماً.

وإنما أثرت هذه الصبابة التاريخية لأن هذا الرجل الذي سيق الحديث من أجله شيخنا وشيخ الجماعة الفقيه المربي المحدث المسند النفّاعة الدّاعية الواعظ الصابر المصلح شيخ المالكية بالديار السوسية الدكتور سيدي محمد بن حسن شرحبيلي، استفاد من تلكم المدارس العتيقة، والمعاهد الشرعية بالقصد الأول، فتدرج في وظائف جامعية، وتقلد مهام علمية سامية، حتى أصبح شخصية علمية مرموقة، وساعده على ذلك؛ صفاء المنبع، وكثرة الشيوخ، وسلامة المنهج التربوي، واغترف منهم على قدر إناه، فكان كما كان..

أصله:

استولى على ظن كثيرين أن أصول العلامة سيدي محمد بن حسن شرحبيلي ترجع إلى جده الأعلى سيدي الحسين الشرحبيلي العاكف زمناً بزاوية (أَمَانْ مْلُّولْنِينْ) بأحواز تازناخت بورززات، على طول النصف الأول من القرن الثاني عشر، المتوفى سنة (1142هـ) والآخذ عن أحوزي الهشتوكي، والملازم لأبي العباس ابن ناصر الدرعي زمناً حتى عينه أمين سره..

بيد أن محمد المكي الدرعي قال في ترجمته في الدرر المرصعة بأخبار أعيان درعة 1/304: “واشتهر نسبة إلى جده الثالث شرحبيل..” وقد يكون حفيده سيدي حسين المذكور أقوى من جده في التأثير والمنزلة، لكن لقبه (شرحبيل) نُسب إليه، وعُرف به، وإن كانت هذه الشهرة لا تحصل غالباً إلا لسبق، أو عِلم، أو صلاح، أو مكانة، أو جاه، أو ببعضها أو كلها، فيرث الأحفاد سر أمجاد الأجداد.

الأسرة الشرحبيلية:

لاشك أن سيدي حسين بن محمد شرحبيلي هو المشهور في هذه الأسرة، وبها عرفت، أما والده وجده فلم أقف على أخبارهما، لأن المترجمين اقتصروا على ذكر سيدي حسين وعقبه، وحسبك أن المختار السوسي ذكر منهم اثنا عشر، أما نسبهم فقال عنه: “لم يصلنا على يد من يحكون لنا من أخلافهم نسبهم المتصل..” 18/ 239 غير أن ذكر المترجم في طلعة المشتري 2/ 10 يفهم منه أنه جعفري، وإن أنكر ابن خلدون وجودهم في المغرب، لكن مشجرات أنسابهم الموجودة في الصحراء عند الأقاويين، وسوس وأحواز مراكش وغيرها أبت أن تصدقه..

وقد ذكر المختار السوسي في المعسول 18/ 246 أن سيدي حسين شرحبيل أحبه أهل جزولة كثيراً: “حتى إذا رأى اشتياق الناس إلى لُقياه، أعمل رحلة في جميع قبائل سوس في طائفة من الطلبة من أصحابه يدرس فيهم ويرشد العامة، ويصالح بين المتحاربين، ويسعى في المصالح العامة فأقام أسواقاً، وفصل قضايا كثرت الحروب حواليها…”.

زوايا الأسرة الشرحبيلية وفروعها:

أما زواياه فقد بيّنها مؤرخ سوس في المعسول 18/ 250 فقال: ” رأيت في كلام الحضيكي أن سيدي حسين أسس رباطات وزوايا، فهاك أسماء ما ينسب إليه الآن.

– 1الزاوية الكبرى في أمان مْلُّولْنِينْ؛.

– 2أخرى في المنابهة؛.

– 3أخرى في هوارة يقطن فيها بعض أحفاد الشيخ؛.

– 4أخرى في مدينة تارودانت ينزل فيها أهل الشيخ اليوم إن وردوا إلى المدينة.؛

– 5أخرى في درعة لا تزال تنسب له..”.

والقصد من إيراد هذه النبذة التاريخية حول الأسرة الشرحبيلية؛ إبراز مكانة أجداد شيخي سيدي محمد بن حسن شرحبيلي لتكون تمهيداً لما مضى من آثارها، ومقدمة لما سيأتي من مآثرها، لاسيما وأن حفيدهم المترجم سيدي محمد شرحبيلي قائمٌ بعوائد أجداده، مستمر على أفعالهم الحسنة، دؤوب على خصالهم الفاضلة في نشر العلم، وإرشاد العباد، والصلح بينهم، وإشاعة الخير فيهم، ولا عجب، فالدر من معدنه لا يستغرب.

زاوية هوارة التي ينتمي إليها المترجم:

لعل هذه الزاوية أسست في أواخر القرن الثاني عشر الهجري أو صدراً من الذي يليه، انتقل إليها جد المترجم الرابع كما أفادني السيد أحمد عبد الرحمن شرحبيلي، وابن المترجم الأستاذ محمد، وكل من ذاكرته من عائلتهم يحفظ مشجر أنسابهم إلى جدهم الرابع، فهاك عمود نسب المترجم إليه:؛

محمد، بن حسن، بن عبد الله، بن محمد، بن حسن، بن عبد الله شرحبيلي، وعبد الله الموجود في آخر النسب هو الجد الرابع للمترجم سيدي محمد بن حسن شرحبيلي، المنتقل إلى فرع هوارة من زاوية الأم التي أسسها جدهم الأعلى سيدي حسين الشرحبيلي، المشهورة بــ: (أمان مْلُّولْنِينْ) وتعريبها: المياه البيض الكائنة بدوار وِسْلْسَاتْ بتازناخت التابعة لإقليم ورززات..

وهذا الرجل سيدي عبد الله هو الذي تتفرع عنه سائر الأسر الشرحبيلية الموجودة في هوارة وأحوازها، وبعد وفاته أقيمت عليه بناية صغيرة بمقبرة دوار -عينْ لْبِيضَا- بهوارة، وسمي باسم جده الأعلى سيدي (احْسَايْنْ) تلمساً لبركة اسمه، ورجاء النفع به، والحال أن اسمه الحقيقي هو عبد الله الشرحبيلي كما أخبرني نجل المترجم الأستاذ الباحث محمد شرحبيلي، وقبره مُبارك يزوره أهل القرية وأحوازها إلى الآن.

أما والد المترجم حسن فذكر لي حفيده الأستاذ الباحث محمد بن محمد بن حسن أنه كان من أعيان القبيلة ورؤسائها، اشتغل مدة بالجزائر، وهم بالذهاب إلى فرنسا، لكن والده سيدي عبد الله منعه فرجع إلى المغرب، وترأس جمعية الكدية، وقد كان رحمه الله حكيماً كريماً..

وأخبرني أخو المترجم إبراهيم بن حسن أن والده لما رجع إلى المغرب، تزوج وله من الزوجة الأولى ستة أولاد، أولهم في السّن والسّر مترجمنا سيدي محمد، ثم الحاكي للخبر إبراهيم، فعبد الرحمن، وثلاث بنات، ومن الثانية يحيى وخمس بنات، وله مكانة ووجاهة، ربط علاقات قوية مع كبار فقهاء المنطقة، كشيخ ابنه محمد؛ القاضي عبد الرحمن الرملي وآخرين، واستمر على النحو والزيادة إلى أن خرمته المنية في أحد أيام سنة 2005.

ولادة الفقيه محمد بن حسن شرحبيلي:

ولد الشيخ العلامة الفقيه الألمعي سيدي محمد بن حسن شرحبيلي سنة 1942 بدوار عين لبيضا التي تبعد عن قبيلة هوارة حوالي 12 كلم، التابعة لنفوذ إقليم تارودانت من أسرة علمية عريقة عُرفت بالعلم والصلاح، وقد نزعه عرق أهله في نشر الدين، والانتصاب للصلح، والمبادرة إلى العمل الإحساني، والحمد لله على بقاء السر في محله.

ولم يترجمه أحد سوى المرحوم الدكتور عمر أفا في كتابه الموسوم: الكتاب التذكاري لأساتذة معهد محمد الخامس بتارودانت (1986-2005) الصفحات 235-236. ونجله الأستاذ محمد بن محمد شرحبيلي أثناء تقديم ترجمته في تكريمه بكلية الآداب قبل شهور، غير أن الأولى موجزة في صفحتين، والثانية في خمسة عشر صفحة، وتوجد صورة تذكارية للمترجم مع طلبة معهد الأصيل بتارودانت لما قاموا برحلة سنة 1959 فانظرها إن شئت في كتاب: المعهد الإسلامي بتارودانت للساحلي 2/ 88..

نشأته العلمية:

حفظ القرآن بقريته التي ولد فيها (عينْ لْبِيضَا) على يد الطالب سيدي أحمد المنتاكي، ولعله هو الذي علّمه الحروف الهجائية، واستمر عنده إلى أن ختم عليه القرآن، كما أفادني سي أحمد عبد الرحمن شرحبيلي، ثم استكمل حفظ القرآن على يد سيدي محمد البركة الذي خلف سيدي أحمد المنتاكي كما في ترجمة ابنه الأستاذ الباحث سيدي محمد شرحبيلي، والظاهر أنه لم يرحل لحفظ القرآن خارج قريته، (عِينْ لْبِيضَا) وإنما حفظه من الورّاشيين المتعاقبين على المشارطة هناك.

وأفادني أخو المترجم السيد إبراهيم بن حسن شرحبيلي أنه لما حفظ القرآن بقريتنا انتقل إلى مدرسة أولاد سعيد بهوارة عند الفقيه القاضي سيدي عبد الرحمن الرملي المتوفى سنة 1977 وهو الوحيد الذي أخذ عنه العلوم، وتأثر به في حاله وأحواله ومنهجه، حتى وصف نجل المترجم الأستاذ محمد شيخه الرملي بـ: “الشخص الذي تأثر به، وكان.. من أحب الطلبة إلى الشيخ..”.

مراحل تدرجه في المدارس العصرية:

التحق بالمعهد الإسلامي بتارودانت، وتدرج فيه إلى أن حصل على شهادة البكالوريا (آداب عصرية) سنة 1967 كما قال ابنه الأستاذ محمد، وكان الأستاذ الحسين وجاج هو الذي حفزه، واستنهض همته حتى حصل عليها، لكن الدكتور محمد بن الطالب أفادني أنه حصل على البكالوريا سنة 1969 ثم يمم وجهته نحو كلية الحقوق بالرباط، لكن القدَر أراده في غير ذاك المحل، فقصد كلية اللغة الدراسات العربية بمراكش إلى أن حصل فيها على الإجازة سنة 1971.

وفي هذا التاريخ فائدتان؛ الأولى: أنه لم يبق في كلية الحقوق أقل من سنة، بل ربما التحق في السنة نفسها بكلية اللغة، خلافاً لما ظنه كثيرون أنه بقي فيها سنة كاملة. والثاني: عدم رسوبه في الأخيرة (كلية اللغة) لأن الفرق بين حصوله على البكالوريا والإجازة ثلاث سنوات، لأن نظام الإجازة وقتها ثلاث سنوات، كما أفادني الدكتور الفاضل سيدي محمد بن الطالب.

وقدَّم رحمه الله العلم على الوظيفة، فاستمر بدار الحديث الحسينة بداية سنة 1971 إلى حصل فيها على دبلوم الدراسات العليا المعمقة، والدكتوراه، وأخبرنا يوماً أنه تأخر في إنجازها حتى قيل له يوم مناقشتها سجلتها شاباً فنقشتها (كهلا)، والقصد أنه أبطأ فيها كثيراً كغيره في ذلك الوقت، علماً بأن آجال الأطاريح وقتها يكون مفتوحاً وليس مقيدا بزمن، لكن من قرأها وتدبرها علم أنه أودع فيها نفائس أفكاره، وأفرغ فيها طاقته..

تقلباته العلمية في التدريس:

شرع في التدريس من حيث بدأ التعليم، أي: في معهد محمد الخامس بتارودانت، وبدأ يدرس فيه من سنة 1965 إلى 1971، ثم تحول إلى مهده الثاني كلية اللغة بمراكش، وعيّن أستاذاً للغة العربية فيها، وقد أفادني الأستاذ محمد بن الطالب أنه التحق مدرساً بكلية اللغة بصفته مساعداً بعد مشاركته في مباراة التوظيف بناء على حصوله على شهادتي السنة الأولى والثانية من دار الحديث الحسنية، ولما ناقش دبلوم الدراسات العليا سنة 1978 ترقى إلى أستاذ مساعد، ثم بعد حصوله على شهادة الدكتوراه ترقى إلى أستاذ التعليم العالي.

وغير خافٍ أنه يستطيع رحمه الله تدريس جميع المواد الأدبية والشرعية، لكن بحكم تخصصه الدقيق (الأدب) أسندت له مادة اللغة العربية، وبدأ يدرسها منذ سنة 1975 إلى أواخر سنة 1978.

إقرأ أيضا :  اتفاق على تبادل المعلومات الأمنية يتيح تعقب المجرمين الإسرائيليين في المغرب

والتحق بعدها بكلية الشريعة في سنة 1979 إلى أن أحيل على التقاعد سنة 2007 وبعدها تعاقد مع وزارة العليم العالي، كما أفادني الدكتور محمد بن الطالب، فقضى في التدريس بالمعهد الروداني ست سنوات، وفي كلية اللغة خمس سنوات، وفي كلية الشريعة أربعون سنة متصلة، فتحصل من مجموع ما ذكر أنه رحمه الله قضى في التدريس بمجموع درجاته أكثر من نصف قرن من الزمن..

هل تأثر المترجم بشيوخ المدينة الحمراء ؟

بقي المترجم طالباً بكلية اللغة من سنة 1969 إلى 1971 حتى حصل على الإجازة فيها، ثم مدرساً بها من سنة 1975 إلى 1978، أي: حوالي سبع سنوات شبه متصلة، وكان علماء مراكش وقتها هم السباقين إلى احتضان الصحوة المشرقية، كالشيخ أبي عبيدة، والفقيه الحسْن وجاج ونظرائهم.

والمترجم رحمه الله له صلات عميقة مع شيوخ مراكش الأثريين، كما له روابط علمية مع علماء ابن يوسف، فجمع بين الحسنيين، وزاوج بين المنهجين، وكان من العلماء الذين رافقوا محدث العصر الشيخ ناصر الدين الألباني في رحلته داخل المغرب، واختاره علامة وقته الشيخ الفاروق الرحالي المتوفى سنة 1985 أن يكون رفيقاً له إلى المشرق لما شارك في مؤتمر الفقه الإسلامي بالرياض سنة 1396هـ، وألف المترجم جزءاً في تلك الرحلة طبع بعضها في ندوة حول الرحالي بكلية اللغة، وزارا الشيخ الزاهد عبد العزيز بن باز رئيس العلماء في وقته بمنزله، كما قيد ابنه الأستاذ محمد في ترجمته، ولو لم يكن من مناقب مترجمنا إلا هذه الفضيلة العلمية لكفته فخراً، لحداثة سنه يومئذ، إذ لم يتجاوز عِقده الثالث إلا بسنتين.

بل روى الموطأ عن المحدث حمّاد الأنصاري، وساق سنده في كتابه يحيى بن يحيى الليثي ص/ 114-115 قال رحمه الله: “وتأسياً بمن سبقني من العلماء، واقتفاء لآثارهم في سبيل الخير؛ أذكر سندي لرواية يحيى بن يحيى الليثي فأقول: حدثني الشيخ حماد بن محمد الأنصاري المغربي التنبكتي إجازة بمنزله بالمدينة المنورة في موسم حج 1396هـ، قال: سمعت هذا الصحيح قراءة لبعضه وإجازة لباقية عن شيخي أبي محمد عبد الحق المدرس بالمسجد الحرام..”.

وقد رد على الأنصاري المذكور الشيخ الألباني في مواضع في ضعيفته، وأيده في أخرى، وشيخنا المترجم سيدي محمد شرحبيلي روى عن الأنصاري، وعن أبي الفضل عبد الله الغماري معاً، رغم أن الأول رد الثاني في رسالة مستقلة، وصاحب المترجم الألباني رغم ما بينهما من اختلاف وردود شنيعة وخاصة مع السادة الغماريين؛ أبي الفيض، وأبي الفضل، وأبي اليسر، وهذا يدل على حدة ذكائه، وقوة فطنته، وليس من الذين يتتبعون مزالق شيوخهم، ولا المولعين بإشاعتها وترديدها، أو يقدمون هذا على آخر، وإنما من الطلبة النجباء الذين يلتقطون محاسن كل واحد، ويعدلون عما شجر بينهم.

منهجه في التدريس:

كان رحمه الله يدرسنا بوحدة: فقه الأحوال الشخصية [دبلوم الدراسات العليا المعمقة] سنتي 2004-2006 قبل استحداث شهادة الماستر، وكان مدرساً نبيلاً، فطناً، ذكياً، نفّاعة، مستحضراً نصوص المذهب وأقوال رجاله، وترجيحات أئمته، وجرت عادته أن يعين متناً فقهياً في المذهب لطلبته، أو جزءاً منه، وكان يثني على الإمام المازري، وأبي بكر بن العربي، وأبي إسحاق الشاطبي ويقدمهما على غيرهما من المتأخرين، وكان يستنهض الهمم، ويذكِّي روح البحث العلمي في نفوس الطلبة، نشتاق لأنصبته العلمية أيما اشتياق، لما في دروسه من فتح وبركة.

وكان منهجه في التدريس يعتمد على الإسهاب في متعلقات الدروس وقواعدها العامة، والتفصيل في ضوابطها الكلية، وربما انجر إلى حكايات علمية تقوي مرادها، ووقائع مشكلة تعضد معناها، فربما يظنها من لا خبرة له أنها إطناب، لكن الطالب النجيب الذكي يستفيد منها، ويعض عليها بالنواجذ..

والحاصل أننا فقدنا مدرساً حكيماً، وشيخاً عظيماً، ومربياً صالحاً، غرس في الأجيال التي درسها محبة المذهب المالكي، وفقه الحديث وتاريخ دخولهما للمغرب، فقد حباه الله بملكة خارقة استطاع بها أن يقرب درجات رجال المذهب، وخصائص مدارسه، ومدى اتساع أصوله، وكيفية مرونة فروعه، أما المختصر الخليلي فيدندن حوله مرات، ويستدل بمتنه كرات حتى تكاد تظن أنه يحفظه، وربما شك في بعض أحكامه أحياناً، لكن شكه ذاك بمثابة تحقيق غيره فيه.

رأفته وحنانه بطلبته:

كان رحمه الله آية في تعامله مع طلبته، ويواسيهم عند الحاجة، ويساعدهم على نوائب الدهر، وكانت له فراسة لا تخطئ في تمييز المحتاج من غيره، ويمدهم بما جادت به يده، وكان بين فينة وأخرى يقدم بعض المساعدات المادية لهم، وقد عرفت أغلبهم، وسرني آخرون بأشياء غريبة تدل على كرمه وسخائه، وله أياد بيضاء في العمل التضامني والكرم الإحساني في غير ما ذكر.

وكانت له لفتات إلى الطلبة الأجانب، وتحكى عنه روايات في إحسانهم، فقد أخبرني تلميذه الدكتور إبراهيم أيت بوخات رئيس كتابة الضبط بابتدائية تزنيت أنه مرة استدعى طالبين من دولة ليبيا من الصباح إلى المساء فبالغ في إكرامهم، وأفاض عليهم ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من إدام، وحلويات، ومكسرات، وشتى صنوف الطعام، فوضع لهم بعض ما اعتادوه في بلدهم فتعجبوا من ذلك، فأكلوا حتى شبعوا، ففرحوا لذلك غاية الفرح، فأنس وحشتهم، وخفف عنهم غربة وطنهم.

وأعترف أن له عليَّ رحمه الله منة كبيرة وفضلاً عظيما في بداية الموسم الجامعي 2004 وقع لي خطأ إداري في بعض وثائق التسجيل بالسلك الثالث في وحدة: فقه الأحوال الشخصية التي يرأسها رحمه الله -الفوج الثالث- ما قبل الأخير، وصادف أن ذلك اليوم آخر أجل في دفع الملفات، فخرجت من الإدارة في الثالثة والنصف زوالاً، فضاقت بي الكلية بما رحبت، فجزمت بتعذر تسجيلي في تلك السنة، وبدأت أتضرع إلى الله تعالى أن يستجيب دعائي، ثم وقر في نفسي وقتها باستحالة استجابة تلك الدعوى.

ولما أوشكت على الخروج؛ إذا به يدخل بسيارته البيضاء إلى الكلية على خلاف عادته في ذاك الوقت، فتقدمت إليه وطلبت منه ما طلبت فرافقني إلى الإدارة وفاوضهم في ذلك، فقبلوني على أن أجتاز الامتحان فحصل النجاح في تلك السنة والحمد لله.

وقد أشرف علي في بحثي لنيل الدبلوم د.ع. م: “المذهب المالكي في مدونة الأسرة بين النظرية والتطبيق” فزاد في أول العنوان كلمة (اعتماد) وهي في غاية الدقة، ومن الطرائف التي وقعت لي معه رحمه الله أن المدونة وقتها صاحبتها انتقادات لاذعة وردود خشنة من جهات مختلفة، فتأثرنا وقتها بها، والحق يقال، وقلت في بحثي المذكور: “وقد عد هذا انسلاخ عن الشرع” فصحَّحها لي قائلاً: الصواب انسلاخاً: ثم قال لي: “صْحْحْهَا أُحِيدْهَا” فتعجبت يومئذ من فائدة تصحيحها مع إزالتها، واستفاد الطلبة كثيراً من تلكم الندوات والنقاشات العلمية التي يؤطرها المرحوم الحسن العبادي بمعية بعض أعضاء لجنة المدونة بكلية الشريعة.

ومما أفادني به المترجم رحمه الله ألا يكون الطالب أسيراً لتيارات مختلفة، ولا يسارع بالردود إلا إذا كان عالما بمواطن الخلاف، ودرجات الأحكام، وتمييز مفاصل القطعيات من الظنيات، وحدود الثابت والمتغير في قانون الأحوال الشخصية آنذاك إن أدرك هذه القاعدة الذهبية ستتضح له كل الأحكام التي قننتها المدونة، ولا يعيب ولو مادة منها، فكانت هذه الكلمات سبباً في تغيير أصول الأفكار التي بنيت عليها البحث.بأكمله.

أثر وحدة فقه الأحوال الشخصية في تكوين أطر الدولة:

لا يخفى على الناظر ما قدمَته وحدة التكوين والبحث التي يرأسها المترجم رحمه الله (فقه الأحوال الشخصية) من خدمة جليلة لأسرة القضاء -خاصة الأسري منه- من أطر لها من الكفاءة العلمية والقانونية ما يؤهلها للقيام بالمهام المنوط بها، فقد تخرج منها ما يقرب من سبعين طالباً مقسمين على أربعة أفواج، بدء بسنة 2001 وانتهاء بسنة 2008 بمعدل سنتين لكل فوج..

وصادفت هذه الفترة شدة مسيس حاجة الدولة لتلك الكفاءات خاصة بعد صدور مدونة الأسرة سنة 2004 وانفصال محاكم الأسرة عن أصلها، واستحداث أقسام مستقلة داخلها، فقد تقلّد كثير من خريجي هذه الوحدة مناصب عليا داخل جهاز القضاء كرؤساء أقسام الأسرة، وقضاة، ومنتدبين إقليميين، وعدول، وأساتذة التعليم العالي في الداخل والخارج، وغيرها من الوظائف العليا في سائر مختلف قطاعات الدولة كالأوقاف والتعليم وغيرهما.

البحوث الجامعية المنجزة في الوحدة:

من تأمل البحوث التي ألفها طلبة هذه الوحدة سيتعجب من كيفية تقسيمها على فنون مختلفة وتخصصات متباينة، دون أن يقع بينها تداخل في المواضيع، أو تماثل في العناوين، أو حصول تكرار بينها أو فيها، حتى تكاد تظن وكأن بحوثها كاملة وزعت في يوم واحد.

ولئن كانت هناك بحوث خاصة بالتأصيل الشرعي، وأخرى في المقارنة بين الشريعة والقانون، فإن آخرين انبروا لكشف التحديات التي تواجه الأسرة في العصر الحديث، وخالفهم غيرهم لما اتجهوا لبيان أحكام فقه الأسرة عند غير المسلمين..

غير أن كثيراً من الطلبة الباحثين اتجهوا نحو تقريب مسائل الأحوال الشخصية بالمنهج المقارن بين الشريعة والقانون حتى كاد هذا اللون أن يستولي على أكثر من نصف البحوث المسجلة في الوحدة بأكملها على طول ثمان سنوات.

ولم تقف همة طلبة هذه الوحدة عند حد البحوث الشرعية والمقارنة فحسب؛ بل تعدوها إلى ربطها بأحكام فقه الاغتراب، وانفساحها على الأحداث المتسارعة في ديار المهجر، كبحث أحكام الأسرة للمغاربة المقيمين بالخارج، والاجتهاد المصلحي في قضايا الزواج بالغرب، وزواج المسلمين من غيرهم، وفقه الأحوال الشخصية في القانون العبري بالمغرب، والأسرة المسلمة وتحديات العولمة وغيرها من البحوث.

وبالجملة فقد ألّف الطلبة الباحثون المتخرجون من تلك الوحدة ما يقرب من سبعين بحثاً معمقاً، ينظر دليل الأطروحات والرسائل الجامعية بكلية الشريعة من ص/ 46 إلى 64 زاوج أغلبها بين التنظير الفقهي والتطبيق العملي، وحصل كل طلبتها والحمد لله على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في فقه الأحوال الشخصية، وهم الآن في موقع تنفيذ الأحكام، والإشراف على تدبير أقسام محاكم الأسرة داخل مختلف المحاكم، فقل ألاّ تجد أحداً من تلكم الكفاءات في دواليب محاكم الاستئناف والابتدائية والتجارية، لاسيما في الجنوب المغربي إلا ويقام له ويقعد.

كتبه ومقالاته العلمية:

لأستاذنا العلامة الفقيه سيدي محمد بن حسن شرحبيلي كتابان ومقالات علمية عدة -حسب ما وقفت عليه في هذه العجالة- أولها كتاب::

-1يحيى بن يحيى الليثي وروايته للموطأ:

وهو في الأصل بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في العلوم الإسلامية بدار الحديث الحسنية بالرباط، نوقش بها يوم 9 مارس 1978 من طرف لجنة علمية مكونة من الدكتور ممدوح حقي رئيساً ومشرفاً، والدكتور محمد بنشريفة عضواً، والعلامة المشارك محمد المنوني عضوا، فحاز على أعلى شرف علمي، وحصل على ميزة حسنة مشفوعة بالتوصية بالطبع، مع ندرة حصول ذلك في درجة الدبلوم، وغلبته على الأطاريح، خلافاً له هو فقد جمع بين الحسنيين، وحاز التوصية فيهما معاً.

وفوائد هذا الكتاب لا تنحصر في وجوه روايات يحيى للموطأ؛ بل أوغل برفق في تتبع الأوهام التي وقعت ليحيى في روايته، فذكر أن أكثر هذه الأنواع وقعت له في أسانيد الأحاديث، أما الواقعة في متونها فتبلغ نحو العشرة، والواقعة في السند والمتن معاً واحدة، انظرها إن شئت في الصحيفة 142 منه، فقد طبعته كلية الشريعة بأكادير سنة 1995.

ومن محاسن تشوفه للأمور واستبصاره لمآلاتها؛ أنه اقترح منذ ذلك الحين اقتراحاً علمياً دقيقاً وهذا نصه: “وعلى ضوء النتائج أقترح إعادة طبع الموطأ برواية يحيى بن يحيى الليثي طبعة محققة” ص/ 143..

إقرأ أيضا :  رسالة من الملك محمد السادس إلى رئيس النيجر

وفي يوم السبت 9 يونيو 2012 أعلن الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى الدكتور محمد يسف -على هامش أشغال الدورة الرابعة عشر للمجلس العلمي الأعلى- انتهاء لجنة إحياء التراث الاسلامي التابعة للمجلس من تحقيق كتاب الموطأ برواية يحيى الليثي خلال الجلسة الختامية التي حضرها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ أحمد التوفيق بمراكش، فتأمّل.

ومن تتبع كتاب يحيى بن يحيى الليثي سيجد فيه نوادر مليحة، ونكت علمية نادرة، وأسلوب شيق مع قلة مبناه واستيفاء معناه، واعتمد عليه كثير من الباحثين منهم أستاذينا الدكتور محمد الوثيق، والدكتور عبد المنعم حميتي ذكراه في تحقيقهما لكتاب التنبيهات المستنبطة للقاضي عياض 1/171 هامش-1 طبعة دار ابن حزم. وكذا التعريف بمن ذكر في الموطأ من النساء والرجال لمحمد بن يحيى ابن الحذاء، بتحقيق الدكتور المعيار الإدريسي الذي طبعته وزارة الأوقاف، واعتمد عليه كذلك الأستاذ مبروك محمد بن يحيى في مؤلفه: الإمام مالك وعمله بالحديث من خلال كتابه الموطأ، فينذر أن تجد من لا يعتمد عليه في روايات الموطأ دراسة وتحقيقاً، ولو كثرت نسخه وعم نشره، لزادت منفعته.

-2تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي حتى نهاية العصر المرابطي:

الكتاب في الأصل أطروحة لنيل الدكتوراه بدار الحديث الحسنية تحت إشراف الدكتور فاروق النبهان انظره في كتاب: دليل الرسائل والأطروحات بدار الحديث ص/ 7 ووصفه الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري في تقديمه له بأنه: “بحث يستنطق شهادة للتاريخ من خلال كتب أمهات المذهب.. وبأنه كتاب نفيس أضاف به لبنة من لبنات الكشف عن تاريخ التشريع الإسلامي..” ص/ 4-5 .

وله فيه لفتات منهجية دقيقة منها: إزالته للخلاف التاريخي المشهور الدائر حول دخول المذهب المالكي للمغرب فقال: “إن هناك فرقاً بين دخول علم مالك في شكل كتاب هو الموطأ يرويه أهل العلم عن بعضهم وعلى نطاق محدود، وبين انتشار واستقرار مذهب مالك علماً ومنهجاً في التشريع من قبل الحكام والمتحكمين.. ومن خفي عليه هذا الفرق الدقيق بين الأمرين أشكلت عليه النصوص، فأوقعه هذا الإشكال في التردد والغموض ولو كان من مشاهير الباحثين..” ينظر تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي حتى نهاية العصر المرابطي ص/ 18 وما بعدها.. . فكتابه هذا نفيس جداً لاسيما في أصول تاريخ المذهب وفلسفة مصنفاته، وسياقات تأليفها، ويُنصح بإدامة قراءته وختمه مرة كل ثلاث سنوات على الأقل، هذا إن أراد الطالب أن يجدد معارفه في المذهب، وتُرسَّخ في ذهنه خصائص مدارسه، ويَعرف أسماء أعلامه، لتتضح له بعد ذلك معالمه، لأنه في التاريخ العلمي للمذهب وأغراض تأليف مصنفاته؛ أشبه بالأصول الكلية والقواعد العامة الضابطة لفروعها، وقد قال الدكتور محمد بنشريفة أثناء مناقشته لهذه الرسالة: قرأت الرسالة من أولها إلى آخرها وليست لدي أية ملاحظة علمية.

لكن للأسف اشتهرت كتب معينة من تاريخ المذهب المالكي فكثر النقل منها، والاعتماد عليها، وهي دونه في العمق والتحليل، ولو اختصره بعض أبنائه أو تلاميذه لأفاد، لتزامنه مع عصر تقاصرت فيه الهمم عن تتبع المطولات، وقد رأيت مَن نقل أفكاره بأسلوبه، وضم اختياراته في تحليله، واتكأ على نوادر نقوله دون عزو.

أما من أحال عليه والتزم بالأمانة العلمية فكثيرون، وخاصة المحققون لكتب المالكية التي تزامنت مع العصر المرابطي وما قبله على طولهما، فلابد أن يستعينوا بآرائه، ويقتفوا مسالكه، ويقتنصوا درره، فيطرزون أحاديثهم بلفتاته، ويُـجَمّلون آراءهم باقتباساته، لاسيما في القسم الدراسي لتلك المطولات كما فعل محقق البيان والتحصيل طبعة دار الكتب العلمية، وكذا محقق كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه لابن بشير الدكتور محمد بلحسان، الذي اعتمد عليه في ست مواضع، والكتاب طبعته دار ابن حزم وهو مشهور ومتداول.

واعتمد عليه كذلك صاحب كتاب: علي بن زياد الطرابلسي ودوره في نشر المذهب المالكي في القرن الثاني الهجري، وكذا الباحث فوضيل الصغير ذكار في بحثه: مشكلات المدونة عند الإمام الرجراجي، وكذا صاحب كتاب ابن أبي زيد القيراوني حياته ومنهجه الاجتهادي من خلال النوادر والزيادات، وكذا الأستاذ رضا أبي شامة الجزائري في تحقيقه لكتاب: الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ لأبي العباس بن طاهر الداني المطبوع في خمس مجلدات، وغيرها من أمهات مصادر المالكية.

أما اعتماد الدارسين لفروع المذهب وطرق الترجيح فيه عليه فظاهر بيّن، فنقوله فيه ظاهرة، وآراؤه فيه واضحة، ككتاب: مصادر الفقه المالكي أصولاً وفروعاً في المشرق والمغرب قديماً وحديثاً للأستاذ بشير ضيف الجزائري، وكتاب ظاهرة اختلاف الروايات والأقوال الفقهية في المذهب المالكي للدكتور الحسان بوقدون، وغيرهما.

وغير خاف أن المؤرخين الذين يتتبعون تطور المذهب وانحساره يتكئون عليه، فقد جرى ذكره في مقدمة كتاب: أكرية السفن لأبي القاسم خلف بن أبي فراس القروي الإفريقي، وهو من علماء القرن الرابع الهجري، وكذا كتاب تاريخ إفريقية السياسى والحضارى، مما يدل على أن كتابه رحمه الله ينقل عنه مشاهير المحققين المعاصرين، وجهابدة المؤرخين، وكبار الباحثين.

مقالاته العلمية والندوات التي شارك فيها:

كثيرة هي الندوات العلمية التي شارك فيها، وكذا المقالات العلمية التي نشرها؛ إلا أن الاستعجال بنشر هذا المقال أدى إلى عدم تتبعها واستقرائها، وإلا فإنها تزيد على العشرين، لأني شاهدته لما كنت طالباً بالكلية شارك في عدد من الندوات العلمية داخلها، فكيف بخارجها، وقد أفادني الدكتور عبد العالي متقي بمحاضرة ألقاها بكلية الشريعة في بداية الثمانيات تحت عنوان: “الإمام أبو بكر بن العربي المعافري بين الانتماء المذهبي والتحرر الفكري” ينظر دليل الكلية ص/ 191 المطبوع سنة 1988 ووقفت له في هذه العجالة على ما يلي:

1-شارك رحمه الله في ندوة جامعة الصحوة الإسلامية التي نظمتها وزارة الأوقاف بالرباط تحت عنوان: “حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام” 8-9 رجب 1419هـ، الموافق لـ 29-30أكتوبر 1998 ببحث تحت عنوان: “شبهات حول نصيب الأنثى من الميراث” ويوجد ملخص عام لهذه الندوة المذكورة بمجلة دعوة الحق العدد 339 الصادرة في نونبر دجنبر 1998 أفادني بهذا الأستاذ الدكتور عبد العالي متقي.

ولا يبعد أن تكون مشاركاته في جامعة الصحوة الإسلامية ومناقشة العلماء فيها قضايا المرأة وحقوقها الشرعية والكونية هي الدافع له إلى إحداث وحدة فقه الأحوال الشخصية ليُكَوِّن جيلاً قادراً على الدفاع على حقوق المرأة مستقبلاً، وصادف ذلكم الجدال وقتها توقيع المغرب على عدة معاهدات دولية بشأنها، مما جعل التناقض يلوح في الأفق بينها وبين التشريعات الداخلية.

2- شارك ببحث علمي تحت عنوان: “المذهب المالكي في المغرب الأقصى في فترة ما قبل أبي ميمونة دراس بن إسماعيل” في أشغال الندوة الأكاديمية الدولية حول “المذهب المالكي في المغرب: من الموطأ إلى المدونة” التي عقدت بمدينة فاس أيام 26، 27 و 28 مارس 2008 بتعاون بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إسيسكو) والمجلس العلمي الأعلى، وجامعة القرويين، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله، وجمعية 1200 سنة على تأسيس مدينة فاس، أفادني بهذا الأستاذ الباحث عبد العزيز بوشاطر، والندوة طبعت مؤخراً في جزءين.

3-محاضرة تحت عنوان: “قواعد العدة والاستبراء والحضانة” ألقاها في أشغال التكوين الدورة التكوينية المتخصصة التي نظمها مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي التابع للرابطة المحمدية للعلماء، بشراكة مع مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة في موضوع: “قواعد الأسرة في المذهب المالكي” يومي 01-02 جمادى الثانية 1434ﻫ، الموافق 12-13 أبريل 2013م، بمقر مركز البحوث والدراسات الإنسانية والاجتماعية بوجدة منار المعرفة، وقد طبعت أشغال هذه الندوة، قواعد الأسرة في المذهب المالكي، ومقال أستاذنا منشور فيها من 315 إلى 328 كما أفادني صديقنا الدكتور محمد فوزار رئيس قسم النشر بالرابطة المحمدية للعلماء.

4-شارك بمحاضرة علمية رصينة سماها: “تصحيح أخطاء شائعة في الدراسات الفقهية” في دورة التكوين المتخصص لفائدة طلبة الدكتوراه والماستر الذي نظمه مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بشراكة مع كلية الشريعة أيت ملول أكادير في موضوع: “خصوصيات البحث الفقهي وصعوباته” أيام 23ـ- 24- 25 أبريل 2014 وهذه الندوة ما زالت لم تطبع بعد كما أفادني صديقنا النفّاعة الدكتور محمد فوزار.

5-مقال منشور تحت عنوان: “موطأ الإمام مالك ودور تعدد رواياته في اختيارات فقه المذهب” شارك به في الندوة العلمية التي نظمتها المجالس العلمية بالجهة سوس ماسة بتعاون مع كلية الشريعة يومي 24-25 أبريل 2015 بالمزار أيت ملول، وهي مطبوعة متداولة، ومقاله منشور فيها من ص/ 69 إلى 80.

6-مقال تحت عنوان: “فقه النوازل أهميته في معالجة قضايا الأمة” منشور بمجلة المجلة الفقهية التي ينشرها مركز البحوث والدراسات في الفقه المالكي بالقنيطرة التابع للرابطة المحمدية للعلماء العدد الأول الصادر في جمادى الأولى 1438هـ الموافق لـ 2017م، ص/ 35-40 وفي المجلة نفسها جواب له حول أهمية الفتوى في ص/ 135.

7- شهادة في حق شيخه القاضي عبد الرحمن الرملي مثبتة بكاملها في بحث (الحاج عبد الرحمن الرملي حياته وإنتاجه) للطالبة البراج جميلة في الصفحات ذوات الأرقام 108-109-110-111 وهو في الأصل بحث لنيل الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها تحت إشراف الدكتور المهدي السعيدي، برسم الموسم الجامعي 2004.

والحاصل أن مقالاته العلمية كثيرة، وإن كانت أصولها كلها -كما يظهر- شارك بها في ندوات علمية إلا المقال ما قبل الأخير، فقد اتصلت ببعض معارفه المقربين له ليمدني بباقي مقالاته العلمية وهي كثيرة جداً، فوعدني خيراً إن شاء الله.

وخطر لي أن أضم هذه المقالات جميعاً في آخر ترجمته، تفادياً لضياعها، وتفَرُّقها في مظان يتعذر أحياناً الوصول لها، خلافاً لاجتماعها في موضع واحد، مشفوعة بأشعار سوسية حول تعازيه ومراثيه، وما زال الجميع ينتظرها، وقد برزت منها مرثية لأستاذنا الدكتور محمد الروكي وقد أبطأت تعازي شعراء جزولة على خلاف عادتها، ليكون الجميع جزءاً متوسطاً في ترجمته، ولطالما أترجى من شيوخنا وأصدقائنا أن يمدوني بما تبقى منها لتتسع أخباره وما أكثرها، فقد شعرت بوجود قصور كبير في ترجمته، ولكن كما الشاعر:

على قدر الرداء مددت رجلي * ولو طال الرداء لها لطالت

جهوده في الإصلاح بين الناس:

لا جرم أن هذا الرجل العظيم له جهود مشكورة في إصلاح ذات البين، فكم من خلاف بين الأزواج وشقاق، ردَّه إلى وئام ووفاق، واستمر على ذلك النحو وزيادة حتى عين رئيس هيئة إصلاح ذات البين بين الأزواج.

فقد حنكته التجارب والخبرات، ولذا يَعمد إلى أن يسلك في عمله مسلك الحكماء والصلحاء، فتمرس في منافذ الإصلاح بين الناس، زائلاً بينهم الخلاف والالتباس، ونصائحه تدخل إلى قلوب المتنازعين فيتأثرون بها في الحال، فتُقوّى وشائج التلاقي بينهما في المآل، ومن ثَـم يحصل التآلف والتساكن.

وما كان ذلك كله ليكون؛ لولا صلاح الرجل في نفسه أولاً، كل هذا مع نقاء طويته، وصفاء سريرته، وزادته أوصافه الـخِلقية والـْخُلقية بهاء، وهيئته المهيبة إجلالاً، وشخصيته العلمية الرصينة مكانة، والرجل عليه هبة ووقار وسكينة، لا يخرج من فيه إلا نكت نادرة، وحكم لطيفة، وفوائد عجيبة، ممزوجة بتجربته العلمية التي تزيد عن نصف قرن مع الهيئات الأكاديمية، والمؤسسات العلمية، ومراكز البحث الدولية، ورؤساء الجامعات العالمية، وشخصيات علمية مرموقة، ومشايخ كبار، داخل المغرب وخارجه.

وتبين مما سلف أن الرجل كان مؤثراً في جيله بأخلاقه قبل علمه، فهو كما قال الدكتور الحسن أشفري الأب المعنوي والروحي، ولهذا المعنى أشار كذلك الدكتور سعد الدين العثماني لما وصفه في صفحته بأنه كان: “مربياً ناشراً للعلم، ذا أخلاق سامية من لطف، ورقة طبع، وكف للأذى، وبذل للمعروف..”.

إقرأ أيضا :  الفاسي الفهري: فرنسة التعليم مسألة خطيرة وفاشلة بكل تأكيد، وتبخس اللغة الوطنية

وقال عنه أستاذنا الدكتور الحسن رغيبي في صفحته: “إن الأشخاص كلما كان أثرهم في الأمة عظيماً كانت المصيبة بفقدهم أشد.. إنه نموذج العالم الرباني الذي خدم دينه ووطنه وأمته محباً للناس، باذلاً للمعروف والنصح للكبير والصغير بأسلوب أبوي رشيق، يصنع من كلمة واحدة أو شق حديث موعظة ودرساً لإيصال رسائل توجيهية وتربوية للحاضرين..”. اهـ.

وكان رحمه الله يدافع عن مصالح الدين، ويذب عما ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم، حكى لي ابنه الأستاذ الباحث محمد أنه ترأس جمعية بالحي الذي يسكن فيه، ويوجد أمام دُور الساكنة متسع من الأرض، فاتفقت جماعة أن يجعلوا فيه حديقة، واقترح هو أن يُشيّد فيه المسجد، فاتسع الخلاف، ووقعت منازعات بينهم يطول ذكرها عند استعراضها، وتمسك كل واحد منهم برأيه حتى انتصر أخيراً، وشيّدوا فيه مسجداً، وترأس جمعيته، فألقى فيه ما شاء الله من الدروس، إلى أن توفي وصلى عليه فيه، رحمه الله تعالى.

لمحات من جهوده في الوعظ والإرشاد:

كان الشيخ منخرطاً في الوعظ والإرشاد منذ وقت مبكر في حياته، فقد صلح به خلائق كثيرون في هوارة، وله تأثير فيها، حتى سمي عاقل هوارة، ولعل ذلك كان السبب في تعيين الملك الراحل الحسن الثاني له عضوا بالمجلس العلمي لتارودانت وأكادير منذ سنة 1987 وكان يجيب دوماً على أسئلة كثير من المواطنين المرفوعة للمجلسين المذكورين، وله فتاو دقيقة بخط يده وقفت عليها.

وله رحمه الله فضل لا ينكر، وجهد يشكر في تفقيه أهل هوارة في دينهم، رجالاً ونساء، صغيراً وكبيراً، لإلقائه عدداً من الدروس الوعظية في مسجد بدر بهوارة في الثمانينات، وما بعدها، وشرع يستقطب في ذاك الوقت مشاهير الأساتذة كالأستاذ عز الدين توفيق ونظرائه، في سلسلة حلقات علمية متنوعة لها عميق الصلة بكل ما يهم المسلم في حياته عقيدة وفكراً ومنهجاً وسلوكاً.

بل تجاوز رحمه الله حد المحاضرات الدينية المعهودة في المساجد ليخصص محاضرات علمية وفكرية متخصصة ذات الصلة بالمستجدات الدولية يلقيها الخبراء والمتخصصون، فيفد على المسجد المذكور طلبة وفقهاء وباحثون وأساتذة من كل الأقطار السوسية فجعل من هوارة مركزاً علمياً بارزاً يحق للهواريين أن يتباهوا بجهوده العلمية خصوصاً عند مقارنتها مع أقرانه بسوس..

وقد كان له رحمه الله مع كل ذلك قصب السبق في توعية الحجاج في البعثات العلمية المرسلة إلى الديار المقدسة، وحج أكثر من أربع مرات، مع تقديمه دروس الوعظ والإرشاد للجالية المقيمة بالخارج في الرمضانات، فصلاً عن الدروس الشعبية التي يلقيها للعامة في مساجد هوارة وأكادير..

خدمته للدعوة الإسلامية في الإعلام:

شارك شيخ المالكية الداعية النفّاعة المربي سيدي محمد شرحبيلي رحمه الله في عدد البرنامج الدعوية، وامتدت إفاداته العلمية لتصل إلى خارج المغرب، فقد شارك في برنامج “آفاق إيمانية” بقناة أبي ظبي الأولى تحت عنوان: “فقه السعادة” وتم تصوير البرنامج في جامع الشيخ زايد الكبير.

وشارك كذلك في برنامج “وذَكّر” في قناة الإمارات في أحد الرمضانات حول فقه الزكاة، وكان وقتها من الوفود والضيوف الرسميين في بعض الرمضانات، وكلا مشاركتيه موجودة على القناة الإلكترونية التي استحدثها ابنه الأستاذ محمد باسمه.

وافتتح برنامج “أعلام مالكية” الذي يذاع في قناة السادسة تلمساً لبركة إمام المذهب، ورجاء النفع بحلقته لمكانته في ضبط تاريخ المذهب بالغرب الإسلامي، وحلو حديثه عن إمام دار الهجرة الإمام مالك وطلبته، ومن شاهده سيحس أن الرجل أسهب في سائر تفاصيل حياته، وبين فلسفة مذهبه، وقواعد تفريع الأحكام فيه، ومميزات فقه أعلامه.

وقد اتصلت بمقدم البرنامج صديقنا الدكتور الأديب الطيب أيت وغوري عن كواليس تاريخ تسجيل الحلقة وتاريخها ؟ وهل هو أول من افتتح هذا البرنامج أم سبقه غيره ؟ وكم عدد الحلقات المسجلة فيه حتى الآن ؟

فأجاب حفظه الله: “بالنسبة لفاتح حلقات (أعلام المذهب المالكي) فنَعَم فهو الفاتح، وقد تعمدت ذلك لما للشيخ من مكانة عالية، وجهود مشكورة مذكورة في خدمة المذهب بهذه البلاد.

وقد أحببت حينها أن يكون هو المتكلم عن الإمام مالك تبركاً به وبمقامه العلمي والتربوي، وكنت أريد أن أسجل معه أكثر من حلقة في شخصية الإمام، لكن أشفقت عليه لما بدا لي من تعب ظاهر على صحته رحمه الله..

أما وقت تسجيل الحلقة فيوم الأربعاء 26/05/2021 بمدينة تارودانت، وعدد الحلقات المسجلة إلى اليوم 26 حلقة، تضمنت 26 علَماً من كبار مشاهير فقهاء المذهب..” انتهى كلامه بنصه.

وذكرني افتتاح المترجم حلقة (أعلام المذهب المالكي) بالإمام مالك؛ جريان عادة العلامة الفاروق الرحالي تسمية كل فوج من الأفواج التي تخرجت على يديه باسم معين، فسمى فوج المترجم سيدي محمد شرحبيلي بفوج الإمام مالك، فكان هذا فألاً حسناً عليه، إن لم يُعد من لطائف محاسن الصدف، وغريب الموافقات.

أما حلقاته في الإذاعة الجهوية فكثيرة، حيث شارك مرات عدة في برنامج يسألونك، الذي يقدمه الإعلامي المخضرم الدكتور عمر الطوسي، وفاتحته في إتحافي ببعض نوادر مستملحاته، وطرائف الكواليس الواقعة له قبل وأثناء وبعد تسجيلاته، ووعدني بذلك مشكوراً.

وله كذلك صفحة في الفايسبوك أعدها له ابنه الأستاذ محمد، وهو المشرف عليها، يتابع أخباره العلمية فيها أكثر من 3000 عضو، وسألته عما إذا كان يرد فيها على الأسئلة العلمية للباحثين أم لا ؟

فأجاب: لا يجيب على الأسئلة فيها، وإنما قصدت من إنشائها، جمع كثير من مقالاته المبثوثة في المواقع، وكذا الأشرطة المرئية، وصوره في الندوات والملتقيات لئلا تضيع، ويشرف الأستاذ المذكور كذلك على قناة له في الأنترنت، ضمَّت بعض مشاركاته الإذاعية داخل المغرب وخارجه..

الوظائف العلمية والإدارية التي تقلدها:

– معلم بالمدرسة الإبتدائية بَأدْوّار شرق هوارة بداية الستينات؛

– معلم بالمدرسة الإبتدائية الليمون بأولاد تايمة في الستينات؛

– أستاذ بالمعهد الإسلامي بتارودانت من سنة 1965 إلى 1971؛

– أستاذ اللغة العربية بكلية اللغة بمراكش من سنة 1975 إلى 1978؛

– أستاذ بكلية الشريعة بأكادير من سنة 1979 إلى أن توفي؛.

– عضو المجلس الأعلى لمالية الأوقاف؛

– عضو بالمجلس العلمي بتارودانت وأكادير منذ سنة 1987 إلى أن توفي.

– رئيس هيثة الإصلاح بالمجلس العلمي لأكادير إلى أن توفي.

– رئيس وحدة البحث والتكوين: فقه الأحوال الشخصية بكلية الشريعة أكادير من سنة 2001 إلى 2008؛

– رئيس جمعية مسجد بدر بهوارة منذ أواخر الثمانيات؛

– رئيس جمعية مسجد حي رابحة بهوارة الكائن بجوار بيته؛

– رئيس جمعية الفلاح بدواره عين لبيضا أكثر من ثلاثين سنة؛

– الرئيس الشرفي لدواره عين لبيضا بهوارة إلى أن توفي.

تكريمه:

يعدّ تكريم العلماء سنة حميدة وعادة حسنة دأب عليها الفضلاء خلفاً عن سلف، وعلى نهجهم صارت كلية الشريعة بالمزار لما كرّمت العلامة الشيخ الفقيه سيدي محمد حسن شرحبيلي على هامش الندوة المنظمة بها تحت عنوان: (أثر الأسر العلمية الأندلسية في الحركة العلمية والثقافية بالمغرب) يومي 16 و 17 دجنبر 2015.

ولعلها كانت مصادفة حسنة واعترافا بالجميل، وإلحاق النظير بنظيره، لأن الرجل أفنى طاقته في البحث الذي قدمه حول يحيى بن يحيى الليثي وروايته للموطأ، وبين أن أصوله ترجع إلى قبيلة مصمودة كما في كتابه المذكور الصحيفة 32 وقد طبعته كلية الشريعة بأكادير سنة 1995 كما تقدم.

وأقيم له تكريم ثان بعد الأول بسبع سنوات بكلية الآداب بابن زهر في الندوة العلمية التي نظمها فريق البحث في المصطلح الأصولي والترجيح الفقهي التابع لمختبر مناهج الدراسات الإسلامية وعلوم الاجتهاد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير في موضوع: ‘الترجيح في الفقه المالكي” تكريماً للعلامة الدكتور محمد بن حسن شرحبيلي يومي 23-24 مارس 2022.

وقد سبق تكريم آخر للمترجم كلا السابقين، لما نظم منتدى ضياء للإبداع والفكر والمواطنة بتعاون مع المجلس الجماعي لأولاد تايمة حفلاً علمياً في إطار الملتقى الثقافي الثاني، تم تكريمه فيه تحت شعار: (دورة الدكتور محمد شرحبيلي) وذلك يوم 5 مارس 2017 بالمركب الثقافي بأولاد تايمة.

وفاته:

توفي رحمه الله بعد عصر يوم الثلاثاء 29 نونبر 2022 عن عمر يناهز ثمانين سنة، وحضر في تشييع جنازته رؤساء المجالس العلمية لجهة أكادير يتقدمهم شيخ الجماعة العلامة محمد مبارك جميل، وعميد كلية الشريعة، وغالب أساتذتها، وأعضاء المجالس العلمية بالجهة، ومندوب الشؤون الإسلامية بتارودانت، فضلاً عن طلبته ومحبيه، في مجمع غفير ضاقت به رحاب مسجد حي رابحة بهوارة، حتى صلى الناس خارجه، وهذا المسجد دأب رحمه الله على إلقاء الدروس الوعظية فيه، ولا يبعد عن منزله إلا مقدار مرمى حجر.

وألقى في المسجد المذكور قبل الصلاة عليه الدكتور إبراهيم الوافي كلمة في المرحوم بيّن فيها مكانة فقد العلماء، ومحاسن الفقيه، وشيوخه الكبار، وسنده العلمي، وجهاده العلمي والإصلاحي وعلاقته به، وتكلم قبله رجل مسن لا أعرفه عن مصيبة الموت وما أعددنا لها، ثم قُدّم الدكتور اليزيد الراضي وصلى بالناس الظهر والجنازة، بمسجد حي رابحة المشهور بمسجد التزنيتي بأولاد تايمة إقليم تارودانت، وألقى الدكتور اليزيد الراضي كلمة في المقبرة بعد تشييعه شملت التعريف بالمترجم، والتذكير بخصاله الحميدة، فرحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه، ورزق أهله الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون.

المرء ما دام حياً يستهان به * ويعظم الرزأ فيه حين يفتقد

مسك الختام:

هكذا إذن طوى الزمن جهود الرجل طي السجل للكتاب، ولا ندع التاريخ المعاصر أن يطويها كما فعل بغيره من الأعلام الكبار بهذه الأصقاع، بل سيُبرز منها ما يُستطاع، لأن القدوة في هذه العصر هم الأوباش والرعاع، فلئن كانت هذه النبذة كافية لإلقاء الضوء حوله؛ لكني اعتبرها جهد المقل ما زلت انتظر المزيد من أخباره، وشهادات تلاميذه عنه، وحري بأمثاله أن يتتبع المرء أخبارهم، ويجمع نوادرهم، ويدون محاسن آثارهم.

وقد كان رحمه الله حريصاً على نفع كثير من العباد، جالباً المنافع لهم، ذاباً على مصالحهم، لكن سبحان الله إذا مات الإنسان ينقطع عمله عنهم، فينقطعون عنه، وهذه سنة كونية جرت في خلقه، ولله في خلقه شؤون، وجرت العادة في من مات في هذا العصر إكثار الكلام حوله بعد موته، ونشر أغلفة كتبه، ثم يطاله النسيان بعد ذلك بِـمُدَيْدة. ولهذا أنصح كل عالم أريب وفقيه نجيب أن يكتب مجمل تقلباته وسائر ذكرياته العلمية بقلمه، لتكون ترجمة لنفسه، بعد ذهابه لرمسه، والعاقل من اتعظ بغيره.

وقد تلقفت من أفواه الرجال شذرات مضيئة عن أخباره، فلخصت نصفها في هذا المقال، وجردته من بعض الأخبار التي يُظن أن فيها تطويلاً، والتي لا يتناسب إيرادها مع التعريف به في المواقع الإلكترونية، وأظن أن هذا القدر كاف لتعميم أخباره، وإبرَاز جهوده العلمية، لكن يبقى مشروع تأليف كتاب حوله ما زال قائماً في انتظار جمع نوادره العلمية، وتتبع فتاواه، ومتعلقات حياته إن شاء الله، وبالله التوفيق.

وكتبه تلميذه الراجي رحمة ربه؛ الحسين أكروم الساحلي ببوكرى ليلة الثلاثاء 11 جمادى الأولى 1444 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الموافق: 6 دجنبر 2022.

#إتحاف #النبيل #بأخبار #الفقيه #شرحبيل

زر الذهاب إلى الأعلى