ابنو عتيق يقارب تفوق الصناعات العسكرية الأمريكية .. دعامة تحمي الريادة

يرى ابنو عتيق عبد الكريم، عضو مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية، أن مجال الصناعات العسكرية يعد أحد أهم المرتكزات التي يعتمد عليها التفوق الأمريكي، لما له من دور مركزي في حماية الريادة الأمريكية.

وأبرز الوزير السابق، في مقال توصلت به هسبريس، أن هذا الحضور القوي في السنوات الأخيرة لم يأت صدفة، بل هو نتاج رؤية استراتيجية تبلورت بعد نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي، حيث انطلقت عمليات ضخمة لإعادة هيكلة الصناعات العسكرية الأمريكية حتى تستجيب للتحديات المستقبلية المغايرة لما كان عليه الأمر من قبل.

وهذا نص المقال:

جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم الولايات المتحدة الأمريكية اعتبروها قوة كونية، حتى الرئيس السابق ترامب، الذي قاد حملة انتخابية شعارها انهيار أمريكا وانكماشها أمام تفوق وتطور الصين المنافس الوحيد لواشنطن.

قناعة التفوق هذه تمت ترجمتها على أرض الواقع، فالولايات المتحدة الأمريكية هي أول قوة اقتصادية ومالية ناتجها الداخلي الخام يصل إلى 24.796 مليار دولار، متبوعة بالصين بـ18.460 مليار دولار. على مستوى تحقيق الأمن الغذائي، فأمريكا أول منتج في قطاع الفلاحة، وثاني مصدر عالمي للمواد الزراعية، والدولار العملة الأكثر استعمالا في المبادلات التجارية، كما لها وجود في أكثر من 700 قاعدة عسكرية في العالم، وميزانية الدفاع تتجاوز 700 مليار دولار.

ما يهمنا في هذا التمهيد هو التوقف عند أحد أهم المرتكزات التي يعتمد عليها هذا التفوق، ونقصد به هنا مجال الصناعات العسكرية التي لها دور مركزي في حماية الريـادة الأمريكية، فمعلوم أن واشنطن في صدارة الدول على مستوى الصناعات العسكرية، نظرا لتوفرها على أكبر قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الدفاع تعرف بـ “Base industrielle et technologique de défense” (BITD)، بقيمة مضافة عالية تجعلها الأكثر هيمنة على الأسواق في مختلف القارات، برقم معاملات يتعدى 929 مليار دولار.

هذا الحضور القوي في السنوات الأخيرة لم يأت صدفة، بل هو نتاج رؤية استراتيجية تبلورت بعد نهاية الحرب الباردة وتفكيك الاتحاد السوفياتي، حيث انطلقت عمليات ضخمة لإعادة هيكلة الصناعات العسكرية الأمريكية حتى تستجيب للتحديات المستقبلية المغايرة لما كان عليه الأمر من قبل. هكذا عرف القطاع خلال حقبة التسعينيات عمليات اندماج كبرى بين الشركات العاملة في مجال صناعة الأسلحة، حتى تكون قادرة على تزويد الجيش الأمريكي والمنافسة في الأسواق الخارجية، مما جعل المتتبعين يطلقون اسم الخمسة الكبار “Big Five” على المقاولات التي استطاعت الصمود في وجه المتغيرات الجيوستراتيجية الجديدة، وهي على التوالي “لوكيد مارتن” Lockheed Martin، الرائدة عالميا في ميدان الصناعة العسكرية، والتي هي نتاج اندماج سنة 1995 بين “مارتن ماريتا كور” Martin Marietta Corp و”لوكيد كور” Lockheed Corp ، ثم شركة “بوينغ” Boeing بواسطة فرعها العسكري، بحيث قامت سنة 1996 بضم شركة “روكويل الدولية”Rockwell international . بعد ذلك، وبالضبط سنة 1997، اقتنت شركة “ماكدونال دوكلاص” McDonnell Douglas، والهدف كان هو تعزيز حضورها ضمن المشاريع الكبرى المبرمجة آنذاك، لا سيما تلك الخاصة بالطائرات الحربية “ف 15″ و”ف 18” وهيليكوبتر “AH-64″، ثم صواريخ “هاربون”Harponn.

إقرأ أيضا :  بوروندي تأسف لغياب المغرب عن "تيكاد-8"

وفي سنة 2000 سيطرت علي رأسمال شركة “سباسيال دوهوك إلكترونيك” Spatiales de Hughes Electronics . أما شركة “رايتون” Raytheon فقد استطاعت ما بين سنتي 1993 و1997 القيام بعملية عملاقة استحوذت خلالها على نشاط شركات كبرى، مع الانسحاب من كل الصناعات المتعلقة بالمجالات المدنية، مركزة مجهوداتها على العتاد العسكري. وفيما يخص شركة “نورث كور”Northrop corp، فقد استطاعت ضم الشركة المنافسة الأولى لها ونقصد بها “كرومان كور” Grumman Corp ، حيث أصبحت تسمى ابتداء من سنة 1994 “نورث كرومان” Northrop Grumman، مما ساعدها على اكتساح سوق الصناعات الإلكترونية العسكرية، لا سيما بعد سنة 1996، عندما التحقت بها شركة “Westinghouse Electronic Systems”، التي كانت تسيطر على سوق الرادارات. شركة “جنيرال ديناميكس”General Dynamics شهدت هي الأخرى ما بين 1990 و2000 إعادة هيكلة كل أنشطتها، تاركة مجال الطيران العسكري لصالح “لوكيد مارتن” وميدان الإلكترونيك لشركة إسرائيلية معروفة باسم “Israélien Elbit systems”، في مقابل ذلك قوت حضورها في الصناعات البحرية العسكرية باقتنائها بعض أوراش صناعة السفن الحربية مثل “Bath lron Works” سنة 1995، و”Nassco” سنة 1998. كذلك طورت وجودها في مجال المركبات المذرعة في أمريكا وأوروبا بسيطرتها على فرع “كريزلير”، الذي أصبح يسمى “جنيرال ديناميكس لاند سيستم”General Dynamics land System .

يجب الإشارة هنا إلى أن عملية إعادة ترتيب الأوراق داخل قطاع الصناعات العسكرية الأمريكية بدأه الرئيس كلينتون عند وصوله إلى الحكم في يناير 1993، وقد كان تحديا صعبا، لا سيما بالنسبة إلى رئيس ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، الذي يضم في صفوفه اتجاهات غير متحمسة للعودة إلى سباق التسلح، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن المختصين والمتتبعين للسياسات الأمريكية كانوا يعون جيدا بأن اللوبي المتحكم في إنتاج الأسلحة له تأثير قوي على كل المؤسسات الأساسية لصناعة القرارات الاستراتيجية التي تهتم بحماية المصالح العليا لواشنطن.

إقرأ أيضا :  رابطة العالم الإسلامي تدين الهجمات الإيرانية

نجاح عملية إعادة هيكلة مجال إنتاج العتاد الحربي تؤكده أرقام مبيعات الشركات الأمريكية، التي استطاعت تحقيق مداخيل وصلت سنة 2021 إلى 592 مليار دولار. وهكذا فشركة “لوكيد مارتن” ارتفعت مبيعاتها خلال السنة المذكورة سابقا إلى 67 مليار دولار، و”رايتون” إلى 42 مليار دولار، و”بوينغ” إلى 35 مليار دولار، و”نورث كرومان” إلى 31 مليار دولار، و”جنيرال ديناميكس” إلى 30 مليار دولار. وبالرغم بأن الجيش الأمريكي يعتبر الزبون الأول للشركات الخمس التي تحتكر الصناعات العسكرية، فإن الدولة الأمريكية غير حاضرة في رأسمال هذه الشركات بشكل مباشر أو غير مباشر. بالمقابل هناك مجموعة من الآليات وضعها المشرع الأمريكي مثل “Buy American Act” و”Defense Production Act”، التي تشكل، حسب المختصين في أسواق المعدات العسكرية، نوعا من الحواجز لمنع دخول منافسين أجانب قصد التعامل بشكل مباشر مع المقاولات الأمريكية، بالإضافة إلى صدور قوانين سنة 1976 خاصة بتأطير عملية تصدير الأسلحة، يطلق على جزء منها “Arms Export Control Act-AECA”.

جميع الشركات المذكورة سابقا موجودة في البورصة، وتلجأ إلى السوق المالي لتمويل مشاريعها بواسطة مؤسسات مختصة في هذا المجال مثل “Black Rock Fund Advisors” أو “SSgA Funds Management Inc”. والحاجة إلى قروض طويلة المدى تحدّ يواجه الصناعات العسكرية الأمريكية، لتأكيد ذلك يكفي هنا الاستشهاد ببرنامج إنتاج قاذفة الصواريخ متعددة الأهداف، التي تسمى ” M 142 HIMARS” من طرف شركة “لوكيد مارتن”، والتي أثبتت قوتها في الحرب الأوكرانية الروسية. وقد بدأ التفكير في المشروع سنة 1989، وظهر أول تصميم مصنع سنة 1991، وتمت التجربة الأولى سنة 1998، فيما دخلت مجال العمليات الميدانية سنة 2005، مع الإشارة إلى أنه إلى حدود 2020 لم يتم صنع إلا 500 قطعة من هذا السلاح، وأكثر من 300 تم اقتناؤها من طرف الجيش الأمريكي، ولم تمنح رخصة التصدير من السلطات الأمريكية إلا سنة 2021، بمعدل 120 قطعة فقط، نظرا لطول فترة الإنتاج التي لا تتجاوز 48 قطعة سنويا، لكن مع اندلاع الحرب الأوكرانية الروسية ارتفعت الوتيرة إلى 60 قطعة سنويا، مع برمجة الوصول إلى 96 قطعة مع مطلع سنة 2023، وهذا ما يفسر قلة الدول التي تتوفر على هذا النوع من السلاح مثل رومانيا التي استوردت 18 قطعة، وسنغافورة 18، والأردن 12، في حين برمجت التايوان شراء 29 وحدة.

إقرأ أيضا :  أمريكا تشيد بمكافحة المغرب أسلحة الدمار

يجب أن لا ننسى هنا أن نجاحات تصدير الأسلحة الأمريكية راجعة كذلك إلى سيطرة هذه الأخيرة على أسواق الشرق الأوسط التي تشكل لوحدها 52% من مجموع الصادرات الأمريكية، متبوعة بحلفاء واشنطن في آسيا وأوروبا، فالحضور الأمريكي قوي في السوق السعودي بـ68% من مجموع الصادرات، ثم أستراليا بـ60%، بعدها كوريا الجنوبية بـ51%، ثم الهند بـ12%، ومصر بـ9%. مرحلة ترامب أعطت دفعة قوية للشركات الأمريكية، عن طريق تدخل الرئيس شخصيا لتسهيل مجموعة من الإجراءات، عبر مراجعة الترسانة القانونية، مع تقديم بعض الدعم، لا سيما لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، ونستحضر هنا العقود التي وقعها الرئيس ترامب مع الأمير سلمان، والتي وصلت إلى 110 مليارات دولار خلال عشر سنوات، والهدف منها هو عصرنة وتحديث القوات المسلحة السعودية بشرا وعتادا.

وبالرغم من أن الرئيس الأمريكي الأسبق آيزنهاور Eisenhower كان قد ألح في خطاب نهاية ولايته سنة 1961 على ضرورة تقوية صناعة عسكرية داخل التراب الأمريكي، فإن بعض الشركات الأمريكية اختارت تعزيز وجودها في الخارج باقتناء وحدات صناعية، لا سيما في أوروبا، خاصة في بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وبولونيا وإسبانيا، وهي دول منخرطة بشكل كلي في توجهات حلف الناتو. هكذا فشركة “جنيرال ديناميكس” تملك فرعا في إسبانيا تحت اسم General Dynamics European” Land Systems ” ، متخصصا في المركبات المدرعة، في حين أن “رايتون ” و”نورث كورمان” لهما حضور في بريطانيا وألمانيا، أما “لوكيد مارتن” فقد استحوذت على شركة أمريكية في بولونيا تسمى “سيكورسكي” Sikorsky، بالرغم من أنها تفضل الاكتساح التجاري على الاستثمار الصناعي في الخارج.

هذه الإطلالة السريعة والمختصرة الهدف منها الوقوف عند الاختيارات الاستراتيجية الكبرى التي لم تتغير، والتي تؤكد على أن اكتساب القوة الاقتصادية في عالم اليوم، كما كان الحال في عالم الأمس، ليس كافيا إلا إذا تم تحصين الإنجازات الاقتصادية بقدرات أخرى. هذا ما يفسر توجه الصين نحو تقوية إمكانياتها الدفاعية، بواسطة امتلاك صناعة عسكرية مستقلة عن السوق الروسي، ونفس الاختيار سلكته تركيا في السنوات الأخيرة، وفي اعتقادنا مع بروز تعقيدات كونية جديدة، فإن مجموعة من الدول ستراجع حساباتها لضمان حد أدنى من شروط التفاوض في عالم أصبح يميل إلى خيارات القوة عوض التكامل.

#ابنو #عتيق #يقارب #تفوق #الصناعات #العسكرية #الأمريكية #دعامة #تحمي #الريادة

زر الذهاب إلى الأعلى