الإنسان الهيكل

أين تجد لذتك أو راحتك أو سعادتك؟؛ خلف هذا السؤال تكمن صورة الإنسان، وترتسم حقيقته التي يحيا بها بين الناس.

وما دام الأمر يتعلق بالكائن البشري (الإنسان)، فإن الحديث عن اللذة أو الكينونة، إذا صحت العبارة، ينصرف بداهة إلى جانبين: الأول مادي غريزي, والثاني قيمي معنوي. والمؤكد، طبعا، أن معنى الإنسان ووجوده المائز وحقيقته المثلى تتحدد أساسا بجوانبه القيمية وسوانحه الروحية، وبوجداناته، وهي تعانق المعالي.

ولذلك، يطلب من الإنسان دائما أن يتخفف من النوازع المادية، بمعناها الاستهلاكي الرخيص، وينتظر منه باستمرار، أن يسيطر على مطامعه وشهواته البهيمية التي تجره جرا إلى الغريزة، وتخاطب فيه الحيوان الذي يعيش ليأكل ويشرب ويتناسل ثم ينتهي، بلا أثر يذكر ولا سؤال.

ويسهل أن نلاحظ، اليوم، مدى التردي الذي أصاب هذا الإنسان في جوانبه الإنسية، ومدى الخسارات التي لحقته في منطقه وروحه ونفسه ووجدانه، فتحول الكثير من البشر إلى هياكل بلا روح، وإلى أشباح بلا حقيقة، نتيجة افتقارهم الكبير إلى المعنى واستسلامهم طوعا وكرها لموجات المد الاستهلاكي التي تتاجر في كل شيء، لا فرق في ذلك بين المادي والمعنوي، وتحول كل شيء إلى بضاعة وسلعة يتسلمها من يدفع أكثر أو يلتهمها من يدفع أكثر، ويستهلك أكثر بلا مراجعة ولا سؤال.

إقرأ أيضا :  نتائج الاختبارات الكتابية لولوج سلك الماستر القانون جامعة ابن زهر أكادير للموسم الجامعي 2019 -2020

والنتيجة أن اللذة والسعادة والراحة، وما شئنا من معاني الكينونة، تحولت إلى أوهام وطلاسم وألوان من السراب، يطاردها الكثير من البشر ويبحثون عنها، في إشباع الغرائز فقط، وبلا جدوى؛ يقضون كل أعمارهم في الاستهلاك؛ يقتنون آخر صيحات الهواتف المحمولة من أجل نشر صورهم وهم يلتهمون الأطعمة، ويحتسون المشروبات الأمريكية وغير الأمريكية، ويجرون وراء التفاهات.

وطبعا، كل هذا يتم بإيعاز وإلحاح من صناع وخدام اللبرالية المتوحشة، الذين لا يهمهم من هذا الكائن البشري إلا غرائزه وحاجاته البهيمية، وإلا ما سيدفعه من مال، مقابل فنائه في هذه الغرائز، بما هي الطريق الوحيدة لبلوغ الحياة السعيدة أو الوهم السعيد، كما يريدون ويصورون، على الأصح.

وفي سبيل هذا المسعى الإجرامي القذر، يتم الدوس على كل القيم النبيلة وتشويه كل المعاني الراقية، ويتم تبخيس كل القراءات والأفكار والمشاريع الكبرى التي تخاطب عمق الإنسان وكينونته، لأنها تهدد صرح الأنانيين والمستبدين وحراس المصالح والذاتيات عبر العالم، في الداخل كما الخارج.

وهكذا يتم إبعاد اللذات الأساس وتشويه الحيوات الأساس التي تعني وجود الإنسان حقا، وتمنحه القيمة التي يستحق؛ لذة المعرفة والعبادة والسؤال، لذة الأخلاق والحوار، لذة التأمل المبدع، لذة التواصل البناء والاعتراف المتبادل ومحبة الخير لكل الناس، لذة الصدق والوفاء، لذة عشق الطبيعة والجمال، لذة الصمت العميق… كل هذا وغيره من اللذات يتم تغييبها قسرا، وفي أحسن الأحوال يتم تقديمها في صور زائفة وأشكال شوهاء، وعيا وبغير وعي، قصدا وبغير قصد؛ فإذا بالتفاهة تتحول إلى ثقافة، وبالضجيج يصبح غناء وفنا، وإذا بالتهريج يمسي مسرحا وتمثيلا، وإذا بالجهل والضحالة والتدليس ورفع الأصوات يسمى حوارا ومناقشة، وإذا بالحرية تتحول إلى أجساد عارية يتقاذفها المغتصبون والشهوانيون والأنذال باسم الحب والجمال، دون أن يتم الانتباه، أو هكذا يراد، إلى أن قتل المعاني في الإنسان أو العمل على تشويهها، لسبب من الأسباب، يعني في النهاية تحويل هذا الإنسان نفسه إلى صور ممسوخة وإلى هياكل مخيفة، وإلى كائنات مجنونة ترتد في الأخير على أصحابها الذين صنعوها أول مرة وعلى كل العالمين..

إقرأ أيضا :  مباراة لتوظيف متصرف من الدرجة الثانية ~ سلم 11 (18 منصب) بوزارة الداخلية -عمالة إقليم فكيك

ففي النهاية، ضياع المعاني يعني أيضا ضياع المباني وخراب العمران.

#الإنسان #الهيكل

زر الذهاب إلى الأعلى