“الجزائر” التي تهددنا!..

بمجرد أن أعلنت المؤرخة “بهيجة سيمو”، مديرة مديرية الوثائق الملكية، عن وجود وثائق محفوظة تؤكد أن الصحراء الشرقية جزء من التراب المغربي، حتى أصيبت قيادة دولة (الواسطيين) -كما يسميهم أبناء الريف بالسعار- وبدأت تهدد المغرب بالحرب، وفيهم من قال “الويل لمن يتجرأ على حبة من ترابنا”، قافزين على الحقائق التاريخية والوثائق السياسية التي تثبت أحقية المغرب في استرجاع ما اغتصبه منه الاستعمار الفرنسي، وضمه إلى ما يسمى بدولة الجزائر، وهي الحقيقة التي لا يريد (الواسطيون) -الذين ضاعت هويتهم بين الاحتلال العثماني والاستعمار الفرنسي-الإقرار بأنهم لم يكونوا دولة في يوم من الأيام، انطلاقا مما يؤكده التاريخ والذي عبر عنه أحد الباحثين في تاريخ (الواسطيين) أنفسهم حيث يقول:

“لقد حكم التاريخ على منطقة المغرب الأوسط المشتت، الاستنجاد بقوّة أجنبية لمواجهة التهديد الإسباني المحدق به، وتمثلت هذه القوّة الأجنبية في عدّة قراصنة خواصّ نجحوا في تسجيل انتصارات في هذا المضمار، ولكن سرعان ما تحوّل هذا الاستنجاد إلى نوايا توسعية احتلالية تجاه البلد، جرّاء دخول هؤلاء القراصنة تحت تبعية وولاء الإمبراطورية العثمانية. ومقابل هذا الارتباط السياسي، تم مدهم بقوّة انكشارية برّية تدعّم إرادتهم الاحتلالية لتأمين الجانب الخلفي لقاعدتهم البحرية. وأمام هذا التوجه الاحتلالي، حاول الأهالي الجزائريون مواجهته من خلال مماليكهم وإماراتهم وقياداتهم السلطوية دينية كانت أو مدنية، لكن من دون جدوى. بناء على ذلك، تقرّر مصير (الجزائر) النّاشئة بتحمّل الأتراك مهمة رسم معالمها الخاصة، بتحديد إقليمها -مواجهين في ذلك أطماع الكيانات المجاورة شرقا وغربا- وبإمدادها بسلطة عمومية مركزية وبإدارة تنظيمية ونظام جبائي خاص بها ورثه الاستعمار الفرنسي لاحقا. ومن خلال كل هذه اللّبنات الداخلية وكذا الوزن البحري المتوسطي بدأت الجزائر تظهر بمظهر الكيان الخاص”. هذا بالإضافة إلى ما قاله المؤرخ الفرنسي “بينارد ليغان” في حديثه عن المغرب وجزائر اليوم “بأنه لا قياس مع وجود الفارق”، عن ما يعتبره قياس المغرب بالجزائر، فالمغرب ضارب في القدم التاريخي يعود في أقل تقدير إلى 12 قرنا خلت، في حين أن (الجزائر) لا يتعدى عمرها التاريخي 48 عاما (تاريخ كتابته)، مضيفا بأن الجزائر كانت ولاية ضمن الخلافة التركية، وبأن الاستعمار الفرنسي هو الذي خلق هذه الدولة، في القرن الـ19 بعد أن لم تكن الجزائر موجودة كوحدة مستقلة”.

عندما أخرج المغرب الوثائق المحفوظة إلى العلن لم يكن ينطلق من فراغ تاريخي وثقافي وسياسي وقانوني، وبذلك فهو لن يلجأ إلى استعمال القوة لاسترجاعها، ليس خوفا من الجزائر، بل سيعمل وفق ما تضمنته بنود معاهدة الحماية التي وقعها مع فرنسا، والتي من ضمنها “أنها -أي فرنسا- ستعمل على حماية الوحدة الترابية للمملكة والحفاظ على دين الدولة الإسلامي واستمرار السلطة المركزية”، وهي البنود التي لم تحترمها فرنسا، وسعت بتحويل وتأويل وثائق هذه المعاهدة إلى جعل المغرب مستعمرة من مستعمراتها، فبدأت تقتطع -وعلى مراحل- بعض المناطق الشرقية من ترابه وضمتها إلى الجزائر الفرنسية، ومن المفارقات التاريخية، أن معاهدة الحماية هذه سبقت اتفاقية “سايكس بيكو” بخمس سنوات التي تقرر فيها تقسيم العالم العربي إلى مناطق نفوذ، بما في ذلك المغرب الذي كان قد تم تقسيمه إلى ثلاث مناطق إسبانية ودولية وفرنسية.

إقرأ أيضا :  أخنوش: "أزمة كورونا" فرصة للتغيير.. والسنة الأولى للحماية الاجتماعية "إيجابية"

إن الخيط الذي يميز المغرب عن الجزائر الحالية، هو أن مطلب استرجاع المناطق الشرقية هي قضية إجماع وطني، وليست قضية (المخزن) كما يسوق لها عسكريو الجزائر، ذلك أنه وفي حرب الرمال سنة 1963 وحين وقف الجنرال إدريس بن عمر على أبواب (حاسي بيضا) تلقى أمرا من المغفور له الملك الحسن الثاني بالتقهقر إلى الوراء، ورفض ذلك باعتبار أن المنطقة مغربية، مما دفع بالملك الحسن الثاني -رحمه الله- إلى استدعائه إلى مقر القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية بالرباط وعزله من قيادة العمليات العسكرية، كما كان هناك رفض من طرف القوى الوطنية المتمثلة في الأحزاب السياسية آنذاك، لأي تنازل عن هذه المناطق للجزائر.

(فالواسطيون) أو سكان الإيالة العثمانية، وهم يتهمون المغرب بالأطماع التوسعية، ينسون أنه كانت هناك حدود مرسومة بين المغرب والإيالة العثمانية منذ عهد السعديين، وحين بدأ قراصنة هذه الإيالة يشنون هجماتهم على المغرب، أوقفهم (الباب العالي) بعد الرسالة التي وجهها إليه المولى إسماعيل، وصد أطماعهم، وما على (الجهلة الواسطيين المتنطعين)، الذين يبحثون عن هويتهم بعد أكثر من تسعمائة سنة قضوها تحت سلطة المرابطين والموحدين والعثمانيين والفرنسيين، إلا أن يعودوا إلى الرسائل المتبادلة بين المولى إسماعيل، (والباب العالي) الذي كان يحكم هذه المنطقة والاتفاقيات التي أبرمها المغرب في فترة السعديين، والتي ظلت معتمدة من طرف فرنسا إلى غاية معركة إيسلي.

إن مشكلة مثقفي المنطقة الوسطى ومنظريها الحاليين، تكمن في انفصام الشخصية التي يعانون منها، وللتخلص من هذه العقدة النفسية يحاولون أن يثبتوا ومن خلال تحريفهم للتاريخ وسرقة التراث المادي وغير المادي من المغرب، على أن جزائرهم دولة ضاربة في القدم، وبذلك ترفض العودة إلى الحدود التي كانت مرسومة قبل الاستعمار الفرنسي، والتي تثبتها معاهدة طنجة التي أبرمت سنة 1844.

وإذا كانت القيادة العسكرية لمنطقة المغرب الأوسط الحالية تجر إلى الحرب، وبلسان رئيس مجلس الشعب، الذي لا يعدو أن يكون بديلا لمجلس الشعب القديم في عهد فرنسا، إذا استحضرنا ما كتبه محمد البشير الإبراهيمي مؤسس (جمعية العلماء المسلمين) التي كانت لها علاقة وطيدة بالمغفور له الملك محمد الخامس رحمهما الله، في إحدى مقالاته المنشورة في مجلة (البصائر سنة 1950) وهو يتحدث عن هذا المجلس والعدل والعدالة في هذه المستعمرة الفرنسية حيث يقول: “يسمع البعيدون الذين من الله عليهم بالسلامة مما نحن فيه، أن في الجزائر نوابا ومجالس نيابية، وأن فيها من مواليد عهد التطورات مجلسا جزائريا، يتراءى في مظاهر برلمانية، تلوح عليه مخايل البرلمان وسماته، وتنفح من طياته روائح البرلمان ونسماته، يسمعون ذلك عن الجزائر، فيحسبون أن الحرية صافحتها، وأن عوادي الدهر صافتها، وأن المجالس النيابية خليقة أن تراقب الحكومة والحكام، وأن تناقش وأن تحاسب، وأن تحامي عن مصالح الأمة وحقوقها، كدأبها في كل بلد نيابي، وقد يغبطنا الجيران الأقربون عن هذه الحياة الشورية التي حرمها منهم الاستعمار..”.

إقرأ أيضا :  ملك إسبانيا يتمنى السعادة للشعب المغربي

ثم يقول : “ليس في الجزائر نيابة ولا نواب بالمعنى الذي تعرفه الأمم، وإنما هي صور بلا حقائق، وألفاظ مجردة من معانيها، وأجسام مفرغة من أرواحها، إنما هي وظائف توزعها الحكومة على أعوانها، وتضع عليها هذه الأسماء، تمويها وتغليطا، وتغطيها بأقلية ضئيلة من النواب الأحرار، تمهيدا للغدر، وتعويذا من العين، ودفعا للتهمة وقالة النقد، فإذا اجتمعت هذه المجالس النيابية ليوم في فصل المشكلات، أو ليوم الرأي في المعضلات، لم تجد نوابا ولا رأيا، ولكنك تجد الحكومة تتحكم وتسيطر، وتوجه وتملي، ثم لا يكون إلا رأيها، وإنك لترى أشخاصا وتسمع أصواتا، وتشاهد حدودا من النظام، وتسمع في بعض الفترات نبرات حرة تخترق تلك الكثافة الغالبة، حتى يخدعك النظر، وتهم بأن تعتقد أنها مجالس نيابية، ولكن ذلك كله ما دام الحديث في القشور والتوافه، أما إذا عرضت مصالح الحكومة، وعارضتها مصالح الوطن وحقوق الأمة، فإن النيابة تنقلب حكومة، ويضيع الصوت، الحر -إن كان- في الصحيح”.

وفي فقرة أخرى من المقال يقول: “إن الاستعمار هو الذي أخرها عامدا، فسد عليها منافذ العلم، وأفسد فيها معاني الرجولة، وعامل القيم الإنسانية والموازين فيها بالبخس، ومحا منها بوسائله السحرية من الوظيفة واللقب والنيشان والأطماع كل المثل العليا التي هي مناط الطموح في الأمم، فأصبح معظمها حيا بلا حياة، وبلا أمل في الحياة، تسير(بفتح السين وتشديد الياء)، ولا تخير، ويفتات عليها، ولا تشاور، وأصبح هؤلاء النواب نوائب نازلة عليها، لا يعرفونها إلا في أيام الانتخاب، أو لا يعرفونها قط، لأن الحكومة عرفت بهم، فإذا حلت الكوارث بالأمة، أو فعلت الحكومة بها الأفاعيل، سكتوا كأن الأمر لا يعنيهم، ولأن الحكومة ما وضعتهم حيث هم إلا ليسكتوا.. إلخ”.

هذا بعض مما قاله الإبراهيمي عن حالة الجزائر النيابية في سنة 1950، وهو ما ينطبق على مجلس الشعب الجزائري الحالي الذي لا يملك القرار إلا ما قد توافق عليه فرنسا الأم، فهو يتكلم ويتحرك ويشجب ويندد وفق ما تمليه عليه فرنسا، ذلك أنه لا يستطيع أن يتخذ موقفا واضحا تجاه فرنسا وهي التي تحتضن حكومة القبائل، فسياستها العدائية للمغرب وموقفها الابتزازي من قضية الصحراء المغربية ينبع من عدائها لوحدة شعوب المنطقة المغاربية، وحين يرتفع صوت رئيس مجلس الشعب الجزائري مطالبا بشن حرب على المغرب، فإنما ينوب عن البرلمان الفرنسي، لشن حرب بالوكالة عن فرنسا المستاءة من السياسة التي نهجها وينهجها المغرب في القارة الإفريقية، والتي تتعارض مع سياسة فرنسا الاستعمارية وتقطع الطريق عليها في إفريقيا.

إقرأ أيضا :  الصحراء ومواجهة اللوبيات.. السفير العمراني يباشر مهامه في الاتحاد الأوروبي

فمجلس الشعب الجزائري الحالي، هو نسخة طبق الأصل لذاك الذي صنعته فرنسا، والجيش الجزائري الحالي لا يعدو إلا أن يكون بديلا للجيش الفرنسي فوق التراب الإداري الجزائري، وإذا كان المغرب يعمل على تجنب الحرب، فليس خوفا من هذا الجيش الواهم، بل لأنه يرى أن الخاسر فيها هما الشعبان الشقيقان اللذان خاضا حربا مشتركة شرسة من أجل الاستقلال، ويتجنب أن يسقط في ما سقطت فيه بعض الأنظمة العربية، التي على منوالها يسير حكام الجزائر، وكان من نتيجة هذه الأنظمة أنها دمرت ديارها وشردت شعوبها. ومما لا شك فيه أن المغرب سوف يعتمد الطرق الدبلوماسية والقانونية لاسترجاع هذه المناطق، وسينحو المنحى نفسه، الذي نهجه في استرجاع الصحراء المغربية الغربية، حين توجه إلى المحكمة الدولية والأمم المتحدة لمقاضاة إسبانيا، وسيقاضي فرنسا لمخالفتها بنود اتفاقية الحماية باقتطاعها لهذه المناطق، وليس الجزائر، لأنها لم تكن موجودة أصلا، وذلك لما يتوفر عليه من وثائق دامغة تتضمن اتفاقيات موقعة لا يمكن إنكارها. والحرب هي آخر الحلول بالنسبة للمغرب إذا ما فرضت عليه، وسيكون الخاسر فيها هو الجيش الجزائري المعتدي الذي يعمل وفق ما تخططه له فرنسا في هذه المنطقة وفي الدول الأخرى المجاورة، فالجيش الجزائري لا يمتلك قرار الحرب والسلم، كما أن الحروب تقوم على عقيدة، والجيش الجزائري غير مجمع على عقيدة العداء المطلق للمغرب، الذي يجر إليه جناح دموي في هذا الجيش، لذلك فإن جيشا يقود أي حرب بدون عقيدة واضحة وقضية عادلة سيكون مصيره في النهاية الاستسلام والهزيمة المدوية.

#الجزائر #التي #تهددنا.

زر الذهاب إلى الأعلى