الرئيس التونسي وضغوطات عسكر الجزائر

لحسن بنمريتالجمعة 2 شتنبر 2022 – 14:01

دون مراعاة لحسن الجوار والمصير المشترك والعلاقات العميقة بين البلدين، يرتكب الرئيس التونسي السيد قيس سعيد أكبر الخطايا والمعاصي التاريخية باستقباله زعيم عصابة إرهابية يدبرها حكام الجزائر، بغية تعطيل كل شيء في المنطقة، وقصد إلهاء شعبهم عن وضعيته الاقتصادية والاجتماعية المزرية وإدخاله في متاهات، بعد تبديد مداخيل الجزائر من غاز وبترول في صفقات مشبوهة وشراء ذمم بعض الحكام الضعفاء من أجل تبني أطروحة ما يسمى بجماعة البوليساريو.

نحن كمواطنين داخل وخارج المغرب، فرحنا أشد الفرح لما قامت الثورة “البوعزيزية”، وكان عقلنا وقلبنا مع الشعب التونسي الشقيق وكنا ندعو الله أن يساعد أشقاءنا على تخطي مصاعبهم ومشاكلهم حتى يصلوا إلى بـر الأمان، وتنعم تونس الشقيقة بالحرية والديمقراطية والنماء. كما كنا نتابع من بعيد كل الصراعات والتجاذبات هناك، ولكننا كنا دائما نؤمن ونقول لا يهم من يحكم تونس، بل العبرة في الخواتم كما يقال. مع الأسف الشديد، لم يحصل لا هذا ولا ذاك. بل ابتليت تونس الشقيقة برئيس انفرد بالحكم وأسقط كل المؤسسات التي بناها التونسيون من نقابات ونادي القضاة وعدالة ونسف البرلمان؛ وهذا كله له علاقة بعدم التجربة والأنانية الزائدة والانفرادية في اتخاذ القرارات، وكأن دولة تونس العظيمة ليس لها رجالات وسياسيون كبار ومناضلون أبرار، إلا شخصا واحدا اسمه قيس سعيد يملك خاتم سليمان وستصبح دولة تونس بقدرة قادر، شامخة ومستقرة؛ وهو ما لم ولن يحدث لسبب بسيط؛ هو أن السيد قيس وجوده وموقعه الحالي في الرئاسة مؤقت، مثل الشعرة التي تلصق بالعجين، والتي يمكن إزالتها بسهولة وفي أي وقت. ونحن نتساءل هنا، ما هو الفرق بين حكم السيد قيس سعيد الحالي وحكم الرئيس المخلوع بنعلي زين العابدين الذي كان يحكم تونس منفردا رفقة زوجته ليلى الطرابلسي، التي هربت أموال الشعب التونسي الشقيق إلى الخارج وكانت وظيفتها الوحيدة هي السهر على تصفيف شعر بنعلي، حتى يبدو للتونسيين وكأنه في ريعان شبابه ونهايته معروفة ولا داعي لذكرها. نعم نحن في المغرب كنا نتابع كل شيء في منطقتنا، ولكن كنا ومازلنا نؤمن أن ما يجري في تونس شأن داخلي، سواء حكم اليسار أو اليمين أو الإسلاميون أو العلمانيون، لأن ذلك يبقى من اختصاص واختيار الشعب التونسي الشقيق. الرئيس قيس سعيد وجد كذلك “ليلاه”، ولكن ليس لتصفيف شعره لأنه لا يملك شعرا أصلا، بل لتنفيذ الأوامر والتعليمات دون مراعاة حسن الجوار وبعد النظر والرجوع إلى تاريخ تونس المجيد. ليلى التي أقصدها هي حكام الجزائر الذين ورطوا قيس سعيد في مشاكل إضافية هو في غنى عنها. ضغطوا عليه منذ البداية بجميع الإغراءات. أولها تثبيته في الحكم رغم أنف التونسيين. وحيث إنه فاقد لشرعيته وتخلى عنه الجميع، من أحزاب وطبقات سياسية ونقابات تاريخية، وقضاة وأسلاك العدل، ورجال التعليم والمحامين.. إلخ، فما كان عليه إلا أن يلجا إلى حكام الجزائر تحت غطاء ما يسمى بمساعدة الشعب التونسي اقتصاديا وتوفير الغاز له. وبما أن حكام الجزائر طافوا ألمانيا وهولندا ودولا أخرى من أجل إغرائها وتقديم الغاز إليها بأثمنة زهيدة مقابل الاعتراف بالجماعة الوهمية. هذا الإغراء الذي قوبل بالرفض من طرف الدول الأوروبية المذكورة، لأن الدول المتقدمة تبني سياستها وبرامجها على دراسات معمقة وإحضار منطق الربح والخسارة، والبحث عن دول آمنة ومستقرة وذات مصداقية، خلافا لما يتسم به حكام الجزائر من مزاجية في اتخاذ القرارات والتخبط والتهور في السياسة، ناهيك عن مراقبة الأوروبيين لما يجري في الجزائر من اضطهاد وفقر وجوع ونقص في المواد الغذائية وغياب للبنية التحتية وعدم الاستقرار السياسي. إذن، انتهى الأمر بحكام الجزائر ليجدوا رئيسا ضعيفا في تونس، محتاجا لتثبيت حكمه بعدما تخلى عنه شعبه، فضغطوا عليه منذ شهور لمساعدته لتحقيق ذلك، مقابل استقبال زعيم الجماعة الإرهابية.

إقرأ أيضا :  المعهد الملكي للإدارة الترابية: النتائج النهائية لمباراة توظيف 130 قائد متدرب الدورة العادية للمعهد الملكي للإدارة الترابية

إذن، السؤال المطروح هو لماذا أقبل الرئيس قيس على هذه الفعلة الشنيعة وهذا الانتحار السياسي؟ في نظرنا هناك 3 سناريوهات ممكنة. أولا ربما يسوق الرئيس قيس لشعبه بأن ما أقدم عليه يصب في مصلحة الشعب التونسي، لأنه كان محتاجا لمساعدات اقتصادية وتلقاها من حكام الجزائر. لكن هذا المنطق مردود عليه، لأنه كيف لرئيس مؤقت أن يجر لتدمير مبادى تونس وحكمتها وتبصرها ومكانتها منذ فجر الاستقلال وهي عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ويفرط في كل ما بناه التونسيون لجمهورية وهمية لا توجد إلا في مخيلة حكام الجزائر. ثانيا، ربما يشعر السيد قيس بأن أيامه أصبحت معدودة في تونس، وكان لا بد من إيجاد صفقة مالية ليتمتع بها في ما تبقى من حياته. ثالثا ربما يخدم السيد قيس أجندة خارجية لتفتيت ما تبقى من حلم المغرب العربي الكبير وهي في آخر المطاف عقيدة حكام الجزائر. أخيرا نتمنى من الله أولا، ومن أشقائنا التونسيين ثانيا أن يصححوا هذا الاعوجاج الذي ستكون له انعكاسات خطيرة في المستقبل، ونحن على يقين أن تونس تزخر برجالاتها في الداخل والخارج، ويمكنهم تدارك الأخطاء والتنبيه لما حل بتونس الشقيقة، من محاولات لطمس وزنها وتبصرها وحكمتها وثقلها في المنطقة. وأملنا كبير في شعوبنا الجزائرية والتونسية والموريتانية والليبية أن يغلبوا الحكمة ولا ينساقوا وراء هذه الفئة الضالة التي تسعى إلى تمزيق أواصرنا ومصيرنا المشترك. لأن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا وتبقى الكلمة الأخيرة للعقلاء منا وهم كثر والحمد لله.

إقرأ أيضا :  لكريني: الأزمة المغربية التونسية سابقة خطيرة تفرض بذل مجهودات كبيرة

#الرئيس #التونسي #وضغوطات #عسكر #الجزائر

زر الذهاب إلى الأعلى