السويني يستعرض أدوار مخاطبة الأمة في عمليات ترسيخ “الملكية المتكلمة”

قال المنتصر السويني، الخبير في المالية العامة والعلوم السياسية، أن “الكثير من الباحثين يعتقدون أن الدول تستمد قوتها فقط من قوة ناتجها الداخلي وقوة جيشها ومكانتها بين الدول ومن تاريخها أو من لغتها أو من مساحتها البحرية، ولكن قوة الدولة هي كل ذلك، وفوق ذلك وفي عمق ذلك، وزنُ كلمة البلد أو قول البلد”.

وأضاف في مقال له بعنوان “الخطاب الملكي ودوره في ترسيخ الملكية المتكلمة”، أن “قول البلد هو قول أعلى سلطة في البلاد وقول ممثلها الشرعي الأسمى، والقول المغربي هو قول المؤسسة الملكية باعتباره قول رأس هرم الدولة وممثلها الأسمى، وبالتالي تطرح الأسئلة المتعلقة بزمن القول، موضوع القول، لغة القول ونوعية القول”.

وتطرق المنتصر السويني لمجموعة من المحاور؛ أهمها “الدستور وترسيخ ما يطلق عليه الملكية المتكلمة”، و”أهمية زمن القول الملكي بالمغرب”، و”الخطاب الملكي الموجه للأمة”، و”الخطاب الملكي واستراتيجية القول الثقيل”، و”الخطاب الملكي والقول الديبلوماسي”، و”الخطاب الملكي واستراتيجية القول المتفائل”، و”الخطاب الملكي واستراتيجية القول الرزين”.

هذا الجزء الأول من نص المقال:

يعتقد الكثير من الباحثين أن الدول تستمد قوتها فقط من قوة ناتجها الداخلي وقوة جيشها ومكانتها بين الدول ومن تاريخها أو من لغتها أو من مساحتها البحرية، ولكن قوة الدولة هي كل ذلك، وفوق ذلك وفي عمق ذلك، وزنُ كلمة البلد أو قول البلد. قوة وزن قول البلد تقاس بقدرة هذا القول على تحديد الاتجاه من خلال توضيح أين يذهب البلد؟ وبقدرة هذا القول على بث الطمأنينة والتفاؤل داخل البلد، وبقدرة هذا القول على ترسيخ الوحدة، وبقدرة هذا القول على وقف الحرب أو إعلان الحرب، ومن خلال قوة الاستماع الذي يخلقه هذا القول (داخليا وخارجيا) وقوة التتبع الذي يحدثه هذا القول كذلك (داخليا وخارجيا).

لويس الرابع عشر في معرض تحديده لمفهوم قوة الدول، قال: “أن تعرف كيف تكون دائما سيدا في الداخل، حتى تستطيع أن تكون في الغالب سيدا على الآخرين”، مما يعني أن وزن قوة القول يمنح للدول ليس فقط القوة على المستوى الداخلي، بل وكذلك على المستوى الخارجي، لأن الذي لا وزن لقوله داخليا (في بلده) لا وزن لقوله خارجيا (دوليا).

قول البلد هو قول أعلى سلطة في البلاد وقول ممثلها الشرعي الأسمى. القول المغربي هو قول المؤسسة الملكية باعتباره قول رأس هرم الدولة وممثلها الأسمى، وبالتالي تطرح الأسئلة المتعلقة بزمن القول، موضوع القول، لغة القول ونوعية القول.

1. الدستور وترسيخ ما يطلق عليه “الملكية المتكلمة”

تنصيص المشرع الدستوري في الفصل الثاني والخمسين من الدستور على عبارة “للملك أن يخاطب الأمة…”، يعني التنصيص على أن الملكية تخاطب، مما يؤكد أنها ملكية تحكم كذلك من خلال الكلام، وبالتالي ملكية متكلمة وليست ملكية صامتة.

المشرع الدستوري منح للمؤسسة الملكية وحدها سلطة “توجيه الخطاب”، بينما خصص لرئيس الحكومة “سلطة العرض” (الفصول 76 و88 و101 من الدستور)، و”سلطة الإدلاء” (الفصلان 100 و100 من الدستور)، و”سلطة التقديم” (الفصل 104).

يقول الباحث روني فابر أن الشعوب تريد “مشاهدة الحاكم وكذلك سماعه”. الباحث أونريكو فلشيكوني أكد “أننا نرسخ أكثر الصورة (الدولة الفرجة) على الخطاب (الدولة الأهداف-الدولة البرامج)”، ولكن الوثيقة الدستورية من خلال ترسيخ ما يطلق عليه “الملكية التي توجه الخطاب أو الملكية المتكلمة”، أرادت تنزيل ما يطلق عليه “الدولة الأهداف”، “الدولة البرامج”، “الدولة وكيفية تدبير المرحلة”. وبالتالي، عملت على دسترة القول الملكي ذي الحمولة الثقيلة، ومن خلال ذلك عملت ضمنيا على تنبيه الأمة إلى أن عليها التركيز على “القول” (الدولة الأهداف).

يقول صاحب كتاب “الدولة الفرجة” إن الخطابات الكلاسيكية الأكثر تقليدية هي الخطابات التي يجلس فيها الزعيم على مكتبه ويتوجه مباشرة إلى الأمة، هذا النوع من الخطابات لكي ينجح ويكتسح المساحة العمومية من المفروض أن يركز على المحتوى، ويعمل كذلك على خلق ردة الفعل من خلال محتوى الخطاب.

في أحد استجواباته، قال شارل ديغول: “إنني أعتقد أن داخل الفعل السياسي هناك شيء من الإثارة، لأن المطلوب من القول والفعل أن يحدث ردة فعل”، وهنا نجحت المؤسسة الملكية في التفوق في “قوة المحتوى”، الانتصار من خلال قوة المحتوى يتركز من خلال الإجابة على الأسئلة المتعلقة باللايقين (نجاح الملكية في تدبير أزمة كوفيد) أمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصحية، لأن فقط المحتوى بإمكانه إيقاظ الأمة، وتوجيه الأمة، وقيادة الأمة نحو بر الأمان.

ترسيخ الدستور “للملكية المتكلمة” من خلال “قوة القول”، يعني أن الخطاب الملكي لا يمكن أن يمر مرور الكرام في الزمن السياسي والإعلامي المغربي، بل يجب أن يحظى بالمكانة التي يمنحها له النص الدستوري. التأطير الذي يتم من خلاله بث الخطابات الملكية عبر الإعلام الرسمي بالمغرب، يتم على الشكل التالي: في البداية يؤكد المذيع على عبارة “أيها المواطنون، أيتها المواطنات صاحب الجلالة يخاطبكم”، وبالتالي هو تذكير للكل باللحظة الدستورية التي يؤطرها الفصل 52 من الدستور (للملك أن يخاطب الأمة…)، من أجل تذكير الكل بأن الملك سيخاطب في هذه اللحظة الزمنية (الدخول إلى اللحظة الدستورية لزمن الخطاب الملكي). الانتقال إلى اللحظة الدستورية للخطاب الملكي هو انتقال من مرحلة الخطابات المتنوعة للفرقاء السياسيين وللمؤسسات الدنيا (الزمن العادي) إلى مرحلة الخطاب الجامع والخطاب الشرعي. وبمعنى أكثر دقة، الانتقال إلى الخطاب الذي ينقل الأمة دستوريا من حالة الانقسام إلى حالة الوحدة، ومن زمن الخطاب الأغلبي والخطاب المعارض والخطاب الحزبي إلى زمن خطاب الوحدة وخطاب الإجماع والخطاب الشرعي.

إقرأ أيضا :  ‪هذه حصيلة عمل مجلس السلطة القضائية‬

مباشرة بعد كلام المذيع، يتم عزف النشيد الوطني، ومن المعروف أن النشيد الوطني يوصف باعتباره يمثل التوجه الكلي للمجتمع والحافز العام. وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ تاريخ القانون الفرنسي فرانسوا بيردو أن “الشعار هو الذي يمنح الحلم بالوحدة”. وهكذا، فإن (القول الجامع) عزف الشعار الوطني، يعني رسميا الدخول إلى الزمن الدستوري لقول ممثل الأمة. عزف النشيد الوطني مع نجمة وشعار المملكة، يعني التأطير الدستوري للفصل الرابع من الدستور الذي ينص على “علم المملكة هو اللون الأحمر الذي تتوسطه نجمة خضراء خماسية الفروع”. شعار: الله، الوطن الملك. وبالتالي، يتم التأكيد على أن الأمة تنتقل من زمن الاختلاف والتشرذم إلى زمن الوحدة والإجماع، ومن زمن القول السياسي الفئوي إلى زمن القول السياسي الوحدوي والجامع.

وبعد الخطاب، يتم عزف النشيد الوطني من أجل التأكيد على ثلاثية “التنوع-الوحدة-الخطاب-الوحدة-التنوع”، والإعلان عن الخروج من زمن اللحظة الدستورية المتعلقة بالوحدة والإجماع والعودة إلى اللحظة العادية وإلى زمن الاختلاف والتنوع والرأي الأغلبي والرأي المعارض.

2. أهمية زمن القول الملكي بالمغرب تتجسد من خلال كونه القول الذي يمهد الطريق للدخول السياسي والاقتصادي والاجتماعي

زمن وتوقيت الخطابات الملكية الموجهة إلى الأمة، هو زمن مهم في الحياة الوطنية، لأنه زمن من المفروض أنه يرسخ ما يطلق عليه “المتحكم في الساعات”، أو الرجل الذي يعمل على التحكم في دوران عقارب الساعة الوطنية، والمتحكم كذلك في عداد الساعة التي تضبط الحياة الوطنية (حياة المؤسسات الوطنية أساسا) على اعتبار أن المؤسسة الملكية هي الحارسة الأولى لما يطلق عليه “المصلحة الوطنية”.

المتتبع لزمن خطابات الملك الموجهة للشعب سيلاحظ تزامنها مع ذكرى المسيرة الخضراء (6 نونبر من كل سنة)، عيد العرش (30 يوليوز من كل سنة) وثورة الملك والشعب (20 غشت من كل سنة). وبالتالي، فإن خطابين من بين الثلاثة (خطاب العرش-خطاب ثورة الملك والشعب) يتزامنان مع مرحلة الصيف التشريعي والحكومي والإداري. وبالتالي، زمن العطلة التشريعية والحكومية والإدارية، ولكن زمن الصيف في الأجندة الملكية هو زمن الاستعداد للقول الملكي الثقيل والقول الملكي المهم.

زمن نهاية شهر يوليوز وزمن شهر غشت، هو الزمن الذي يسبق الدخول السياسي (البرلمان-الحكومة-الإدارة) والاجتماعي. وبالتالي، فإن تزامن القول الملكي مع العطلة الصيفية التشريعية والحكومية والإدارية، يمنح لزمن القول الملكي أهمية قصوى، باعتباره الزمن الذي يهيئ الطريق ويعبدها لدخول باقي المؤسسات من بعد. وبالتالي، تجد المؤسسة الملكية نفسها المتحكمة الفعلية في عقارب الساعة المؤسساتية والساعة الوطنية، مما يرسخ ويؤكد سمو مكانتها المؤسساتية من خلال العمل عبر القول الملكي على تحديد اتجاه البوصلة السياسية (لباقي المؤسسات السياسية)، من خلال الخطابين الافتتاحيين.

3. الخطاب الملكي الموجه إلى الأمة هو خطاب باسم الأمة وبالتالي خطاب الإجماع

عبارة “الخطاب الموجه إلى الأمة”، تعني في علم السياسة “التوجه إلى الشعب-العودة إلى الشعب” (كما يقول الرئيس الفرنسي ديغول). العودة إلى الشعب بالنسبة للملك ليس من أجل البحث عن المشروعية الشعبية، بل من أجل تجديد المشروعية الوظيفية، من خلال تجديد التعاقد على الأهداف المرحلية، وكذلك الأهداف الاستراتيجية، وأيضا من أجل تقييم المنجز (تقييم وإن اقتضى الحال تصحيح الأهداف المرحلية والاستراتيجية)، يقول جيرارد شوارزينبرغ في كتابه “الدولة الفرجة”: “في الديمقراطية، الحكم يعني القدرة على الإقناع”، وهي القدرة كذلك على إقناع الرأي العام بالصواب السياسي للأفكار الرئاسية من خلال القول الثقيل والقول المفيد.

كما أن التوجه إلى الأمة يعني التأكيد على أن الخطاب القادم هو خطابٌ موجه إلى الشعب الكلي والشعب الحقيقي (خطاب ممثل الأمة)، وخطابٌ سامٍ (صادرٌ عن رئيس الدولة). يقول الشاعر الفرنسي الشهير جون دو لافونتين: “كل قوة هي ضعيفة إلا في حالة ترسيخ وحدتها”.

الخطاب الملكي الموجه إلى الأمة قول يخاطب الأمة (الشعب الدولة-الشعب المجتمع-الشعب الرأي)، وهو ضمنيا كلام ممثل الأمة (انطلاقا من الفصل 42 من الدستور)، لذلك فهو قول يمثل الشعب الكلي والشعب الحقيقي (الشعب المقاطع والشعب المصوت، الأغلبية الصامتة والأقلية المتكلمة)، فهو قول الإجماع. وبالتالي، هو قول فوق القول التشريعي (قول الشعب المصوت الذي لا يأخذ بعين الاعتبار قول الشعب المقاطع)، والقول الحكومي (قول الشعب المصوت الأغلبي)، والقول الحزبي، والقول النقابي.

وفي هذا السياق، وجب التأكيد على التصريح الشهير للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مواجهة قادة انتفاضة أصحاب السترة الصفراء، عندما خاطبهم قائلا: “أنا الوحيد المؤهل شرعيا للحديث باسم الشعب، أما أنتم فتتكلمون فقط باسم الحشود الحاقدة والحشود الغاضبة”.

4. الخطاب الملكي واستراتيجية القول الثقيل

الفصل الثاني والخمسون من الدستور، الذي ينص على أن “للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان”، الصيغة التي استعملها المشرع الدستوري، “للملك أن يخاطب”، هي صيغة تشرعن ما يمكن أن يطلق عليه “حرية التعبير(الخطاب) لشخص الملك”. وبالتالي، للملك أن يخطب عن كل شيء ويخاطب الكل، ويتكلم نيابة عن الكل. في مقال له تحت عنوان “الخطاب الرئاسي لامانويل ماكرون أمام الكونغريس ما بين المشاكل القديمة والاستعمالات الجديدة”، قال الباحث نيكولاس تيبوت إن “رئيس الدولة يمكن أن يتحدث عن كل شيء وباسم الكل وفي مكان الكل”.

إقرأ أيضا :  بنخلدون: قيس سعيد يعادي الجوار والشراكة

الخطاب الذي يلقيه الملك هو خطاب يسمو على قول باقي المؤسسات، لأنه خطاب المشروعية المؤسساتية، وهو خطاب رأس هرم القول السياسي في البلد. وبالتالي، يصنف بكونه “القول السياسي السامي”، “القول السياسي الثقيل”، “القول السياسي الشرعي”.

القول الصادر عن رئيس الدولة هو قول سامٍ (الفصل 42 من الدستور)، لهذا هو قول يحدد الاتجاه العام الذي تسير فيه المملكة، وهو قول يحدد الاستراتيجية العامة للدولة (الفصل 49 من الدستور). لهذا، فإن المطلوب من رئيس الدولة ليس فقط تحديد البرنامج، بل أكثر من ذلك، المطلوب منه تحديد الاتجاه الذي تسلكه الدولة (الاعتماد على نخب القطار السريع-الانفتاح على البحر-تنويع العلاقات الدولية-إعادة توجيه البوصلة الاستراتيجية-إعادة النظر في التحالفات الاستراتيجية-القدرة على النجاح في سياسة التموقع الاستراتيجي).

المؤسسة الملكية عملت بشكل أساسي على تخصيص خطاب المسيرة الخضراء وخطاب ثورة الملك والشعب للحديث بشكل أساسي عن البوصلة التاريخية (خطاب التاريخ) للوطن، وخصصت خطاب العرش أساسا للقضايا التي تهم المنجزات الملكية (خطاب المرحلة) في عهد محمد السادس. وبالتالي، عملت على ترسيخ الاهتمام بثنائية (المرحلة-الاتجاه)، مما يمنح الطمأنينة للجميع من خلال الارتياح الذي يتركه فعل تحديد الاتجاه وفعل الاهتمام بالمرحلة عند المواطنين والمواطنات بشكل عام.

السياسة هي القدرة على تحديد الاتجاه العام الذي ستسلكه سفينة الوطن، وهي كذلك التفوق في قراءة وتوقع المستقبل. لهذا، فإن الخطاب الصادر عن رئيس الدولة من المفروض أن يبقى في مستوى هرمية صاحب الخطاب (وأن لا ينزل إلى مستوى قول المؤسسات والشخصيات الأدنى في هرمية الدولة). لذلك، يصنف بكونه قولا ساميا “القول الذي يؤطر ويوجه القول الأدنى”. وبالتالي، لا يمكن أن يكون إلا قولا ثقيلا في موضوعه من خلال تحوله إلى قول يعبر عن السياسة الملكية (سياسة رئيس الدولة).

القول الذي يعبر عن السياسة الملكية يرقى إلى مستوى البرنامج الملكي، باعتبار أن هذا القول هو الذي من المفروض أن يؤطر الحياة السياسية ويعمل كذلك على توجيه وتحديد المعالم الأساسية للدخول السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلد.

في كتاب أشرفت عليه يحمل عنوان “التفكير في الصين”، تقول السوسيولوجية الحاملة للجنسية الفرنسية آن شينغ آن: “المناصب العليا من المفروض أن تفكر عاليا”. الفكر ذو الحمولة العالية حسب الفيلسوفين بلاتون وباشلار، هو انتصار على الرأي. يقول غاستون باشلار: “لا يمكن البناء على الرأي، الرأي يفكر بشكل سيء. وبالتالي، يجب العمل أولا على تدميره”. الهدف من تدمير الرأي هو العمل على بناء ما يطلق عليه “الرأي العمومي”. وكما يقول الفيلسوف ايمانويل كانت: “يوجد الرأي العام حيث توجد العامة التي تقرأ”.

إذا كان تكوين الرأي العام يعتمد على القراءة والبحث وجمع المعلومة من أجل تدمير الرأي الذي يفتقد هذه العوامل، فإن الرأي الملكي هو رأي يمثل رأي الهرمية المؤسساتية (هرم مجموعة من المؤسسات بكل ما تملكه هذه المؤسسات من أفكار ومعلومات). وفي هذا السياق، قال فلاديمير بوتين في منتدى الشرق الاقتصادي الأخير: “لقد حذرتكم سابقا ليس لأنني الأكثر ذكاء، ولكن لأن لدي الكثير من المعلومات”.

لهذا، فإن القول الملكي يمتلك القدرة على توقع القادم وقراءة فنجان المستقبل ومعرفة البوصلة الاستراتيجية، ولذلك يتفوق الرأي الوارد ضمن القول الملكي على الرأي العام والرأي بشكل عام. ونتيجة لذلك، فإن علاقة الرأي الملكي مع الرأي العمومي والرأي بشكل عام، هي علاقة تؤكد سمو الرأي الملكي على الرأي العمومي والرأي بشكل عام. لهذا، فإن رأي رئيس الدولة من المفروض أن يعمل على تأكيد أو نفي أو تصحيح أو توجيه الرأي العام والرأي (التعامل مع الخلاف مع الشقيقة الجزائر).

مستشار الرئيس الأمريكي القانوني روزفلت فليكس فرانكفورتر قال: “المشكلة الكبيرة تكمن في أن المشاكل الخطيرة كثيرة ومعقدة، بحيث أن لا أحد من رجال الدولة يمكنه أن يجمع المعلومات التي تمكن من مواجهتها”. وبالتالي، يتضح أن وحده رئيس الدولة الذي يمتلك المعلومة (الأكيدة والمعلومة الشرعية وإن افتراضيا)، مما يمنحه السلطة لصياغة القول السامي والقول الثقيل وكذلك القول الشرعي.

القول الثقيل والقول السامي وقول الإجماع، من المفروض أن يلهم الرأي العام ويعمل على احتلال المساحة السياسية من خلال قوة موضوعه. لهذا، عليه أن يركز على الأهداف الكبرى والقرارات الكبرى (داخليا وخارجيا). القول السامي هو قول يهم القضايا الكبرى والاستراتيجية والقضايا الاستثنائية، حتى يبقى رؤساء الدول في موقعهم السامي وبرجهم العالي ولا يسقطون بالتالي على الأرض.

في مقالة له تحمل عنوان “تكوين القادة”، يقول فرانسوا بيرت: “عندما يتكلم رئيس الدولة عن كيفية إغلاق النوافذ، فهو لا يترك شيئا يتحدث به من هم في السلاليم الدنيا والتراتبية الأقل”. لهذا، فإن رؤساء الدول في خطاباتهم لا يتعرضون للقضايا العادية واليومية حتى لا يسقطون على الأرض (العبارة الأصلية هي “سقوط المثقفين على الأرض”، وقد استعملها الباحثان هرفي هامون وبتريك روتمان في كتابهما الذي يحمل عنوان “المثقفون”).

كما أن موضوع الخطاب الرئاسي من المفروض أن يشمل الحديث عن القرارات الثقيلة والناضجة، وليس مطلوبا من الخطاب الرئاسي أن يأخذ الكل من يده (فرانسوا بيرت) أو أن يعمل من خلال الخطاب أن يكون محبوبا من طرف الجميع، بل المهم والمطلوب والأساسي من خطاب رئيس الدولة أن يعمل من خلال وضوح خطابه على تحديد الاتجاه الواضح الذي تسلكه الدولة.

القول الملكي هو قول من المفروض أن يمنح الطمأنينة للرأي العام من خلال تركيزه على توضيح آفاق البلد من خلال الإجابة على سؤال: ماذا سيصير المغرب في المستقبل؟ وفي أي اتجاه ستبحر سفينة الوطن؟ لهذا، فإن القول الثقيل من المفروض أن يعمل على إخراج قضايا الوطن الأساسية من مربع الضبابية إلى مربع الوضوح (من خلال الانتقال من مربع وسقف ثقافة الجدال والمناقشة إلى مربع وسقف ثقافة الحسم والقرار).

إقرأ أيضا :  الأحرار: الملك يبني مغرب التقدم والكرامة

5. الخطاب الملكي والقول الديبلوماسي

يلاحظ المتتبع للشأن الدولي، وخصوصا اللغة الرئاسية الدولية، سقوطها (في مستنقع الابتذال) وابتعادها عن “اللغة الديبلوماسية”. المتتبع سيلاحظ أن خطابات رؤساء الدول في الألفية الثالثة عرفت استعمال الكلمات المبتذلة. الرئيس الأمريكي جون بايدن سيرد بالإيجاب عن سؤال: هل يعتبر بوتين قاتلا؟ وفي مرحلة الصراع الانتخابي، وصف بايدن خصمه دونالد ترامب بأنه “رجل كذاب” ووصفه كذلك بأنه “رجل مهرج” وبأنه “الكلب الصغير لبوتين”. رد ترامب على بايدن لم يتأخر ووصفه كذلك بـ”جو النائم”. في بريطانيا صرح رئيس الوزراء البريطاني بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما كان ليطلق العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا لو كان امرأة. رد الرئيس بوتين لم يتأخر حيث أكد أن مارغريت تاتشر عندما كانت رئيسة وزراء بريطانيا، شنت عمليات عسكرية ضد الأرجنتين بسبب جزر فوكلاند).

هذه اللغة المبتذلة البعيدة عن اللغة الديبلوماسية للتخاطب بين الرؤساء، اعتبرها بعض المحللين نتيجة منطقية لتأثير لغة المواقع الاجتماعية على “اللغة الرئاسية الدولية”، وخصوصا أن غالبية رؤساء الدول صارت لهم حسابات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك-تويتر-انستغرام-تيك توك…) ومن المعروف عن هذه المواقع الاجتماعية أنها مواقع لا تعترف بالتراتبية (التراتبية العمودية-التراتبية الاجتماعية-التراتبية المعرفية -المشروعية المؤسساتية-مشروعية النظام الاجتماعي)، كما أن لغة مواقع التواصل الاجتماعي هي لغة لها خصوصية معينة، مبتذلة-رديئة-مستفزة –مثيرة، تستهدف الإثارة ولا تقيم وزنا للتراتبية.

لهذا، كان منتظرا من المؤسسة الملكية أن تبقى بعيدة عن عالم التواصل الاجتماعي، لكي تحافظ على موقعها السامي ولغتها الديبلوماسية ولغة الأفكار الواضحة وليس لغة الأفكار المجزأة.

رغم التوتر القائم مع الجيران، سواء المغاربيين أو الأوربيين، وكذلك حدة التراشق السياسي بين الفرقاء السياسيين، فإن لغة الخطاب الملكي حافظت على سموها وديبلوماسيتها، ولم تحد عن لغة الوقار ولغة الاحترام. وبالتالي، بقيت لغة الخطابات الملكية مصنفة في خانة ما يطلق عليه “اللغة الديبلوماسية”.

6. الخطاب الملكي واستراتيجية القول المتفائل

لغة الخطاب الملكي تميزت كذلك بكونها “لغة التفاؤل”، في خطاب العرش الأخير كان اليوم الملكي يتضمن استقبال والي بنك المغرب من أجل تقديم تقريره حول الوضعية المالية، هذه الوضعية لم تخلُ من حديث عن القصور وعن التوازنات السلبية. وبالتالي، كان الكل ينتظر من الملك في خطابه أن يتعرض للأوضاع السيئة والسلبية، خصوصا تلك المتعلقة بالمالية العمومية والمديونية (مثلما عمل المرحوم الملك الحسن الثاني عند الحديث عن السكتة القلبية على إثر توصله بتقرير البنك الدولي)، لكن الملك اختار خطابا يرسخ “استراتيجية التفاؤل”.

يقول الكاتب الفرنسي فرانسوا بيرت في مقاله “فرنسا قد تجد صعوبة كبيرة في عدم القدرة على التعبئة العامة”: “إن اللهجة الخطيرة والكارثية في الخطابات الرئاسية تعمل على تجريد الشعوب من شجاعتهم”، ولكن الملك محمدا السادس اختار أن يظهر للأمة وللمتتبعين أنه معجب باستراتيجية ونستون تشرشل التي يطلق عليها “استراتيجية التفاؤل” وحكمته الشهيرة “المتشائم يرى صعوبة في كل فرصة، والمتفائل يرى وجود فرصة عند كل صعوبة”.

7. الخطاب الملكي واستراتيجية القول الرزين

من خلال حديثه عن الأشقاء في الجزائر، حاول الملك أن يرسخ ما يطلق عليه “القول الرزين”. القول الحكيم هو القول الذي يعرف أن لا أحد يربح من حرب الجيران، وأن الحرب تكلفتها باهظة للجميع، سواء كان منتصرا أو منهزما (بعض المحللين السياسيين المغاربة يرون المواجهة العسكرية مع الجزائر كأنها لعبة بلاي ستيشن). الملك الراحل الحسن الثاني في معرض جوابه على سؤال لصحافي فرنسي: “هل جئتم إلى فرنسا من أجل شراء السلاح؟”، يرد قائلا: “الرجل الحكيم يذهب للبحث أولا عن النصائح وليس عن السلاح”.

من خلال القول الرزين والقول الحكيم، كان الملك يؤكد للجميع أنه ليس من أنصار “استراتيجية التهور” التي تعتمد على التسرع في اتخاذ القرارات من خلال تطبيق مقولة الفيلسوف ديكارت “أنا أفكر إذن أنا موجود”، هذه الفكرة قدمت لنا نماذج الرجال الذين يهتمون بسؤال ما العمل، ويتناسون سؤال كيفية العمل وسؤال نتائج العمل.

مقولة الفيلسوف ديكارت ساهمت في بروز ما يمكن أن يطلق عليهم “انبياء الشر المتهورين” هيتلر-موسوليني-ستالين، ونتيجة لتهورهم وابتعادهم عن استراتيجية “الكلام الرزين” قدمت البشرية الملايين من الضحايا.
في علم السياسة، يتم التفريق بين الرؤساء أصحاب القول السريع والقادرين على اتخاذ المواقف وإعلانها بسرعة (علاقة دولية-حرب أو أزمة دولية…)، وهناك الرؤساء أصحاب القول الدقيق الذين يأخذون الكثير من الوقت ويتريثون ويقرؤون جيدا العواقب ويقيمونها قبل اتخاذ الموقف والإعلان عنه، لأنهم يصنفون في خانة الرؤساء أصحاب “القول الرزين والقول الدقيق”.

استراتيجية “القول الرزين والقول الدقيق” تستهدف أساسا أن تمنع القول “التافه والقول غير الشرعي” للشعبويين والمتطرفين والدجالين وتجار الحروب (سواء من داخل الدولة أو من المجتمع المدني أو من الإعلاميين أو من الأكاديميين أو دعاة الحرب أو من خارج الدولة) من أن يقودوا البلاد إلى حافة الهاوية. وبالتالي، إيصال رسالة إلى الجميع: أنا القول الشرعي وأنا القول الذي يلزم البلد. وفي الخلاصة، كان الملك يؤكد أن القول الشرعي وقول رأس هرم الدولة، لا يمكن أن يكون إلا “قولا رزينا وقولا حكيما”.

القول الرزين والسامي (الصادر عن رأس هرم الدولة) يمنع الحرب، ويبث الطمأنينة في الأسواق، ويطمئن الرأسمال، ويجلب الاستثمار، وينشر خطاب السلام، ويطمئن الأمة على مستقبلها.

#السويني #يستعرض #أدوار #مخاطبة #الأمة #في #عمليات #ترسيخ #الملكية #المتكلمة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى