النيران التي قد تحرق بنكيران!

اسماعيل الحلوتيالإثنين 15 غشت 2022 – 22:06

منذ انتزاعه ثقة المؤتمر الاستثنائي المنعقد مساء يوم السبت 30 أكتوبر 2021، لتولي مسؤولية قيادة حزب العدالة والتنمية من جديد، خلفا لرئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني المستقيل من الأمانة العامة، مباشرة بعد الهزيمة النكراء التي مني بها الحزب في استحقاقات الثامن شتنبر 2021 وتقهقره إلى المرتبة الثامنة بحصوله على 13 مقعدا فقط في مجلس النواب، وعبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الأسبق، يكاد لا يتوقف عن إطلاق النيران الحارقة في كل الاتجاهات وكيفما اتفق، معتقدا أنه سيستطيع بذلك إعادة الحزب إلى “سيرته الأولى” وإصلاح ما أدى إلى انطفاء “المصباح” في معركة الانتخابات، ولملمة الشعور بالخيبة لدى ما تبقى من قواعد وقيادات الحزب الإسلامي.

فمن خلال خرجاته الإعلامية المتواترة وغير المحسوبة العواقب، يبدو أن “الفقيه” فقد البوصلة ليس فقط منذ نكسة شتنبر 2021 التاريخية، بل قبلها بكثير حين أعفي من تشكيل حكومته الثانية، خلال فترة ما سمي بـ”البلوكاج الحكومي”، دون أن يكون المعاش الاستثنائي البالغة قيمته 70 ألف درهم شهريا كافيا في أن يعيد إليه التوازن النفسي المفقود. إذ أنه ومن أجل تحقيق رغبته الجامحة في استرجاع شعبية الحزب المتلاشية ومصداقية قيادييه المتآكلة، أبى إلا أن يضاعف من وتيرة خبطاته العشوائية، التي لم يسلم من وقعها إلى جانب خصومه السياسيين، حتى جزء من قيادات حزبه وبعض الفعاليات النقابية والموظفين والمثقفين والإعلاميين وغيرهم…

إقرأ أيضا :  ‪القوات البحرية المغربية تتفاوض على صفقة صورايخ مضادة للغواصات الحربية‬

ولأنه يعلم جيدا المكانة المتميزة التي تحظى بها القضية الفلسطينية في قلوب المغاربة، فإن بنكيران وفي إطار سعيه الدؤوب إلى محاولة استرجاع “بريق المصباح” وتحقيق حلم العودة إلى رئاسة الحكومة، لم يجد لذلك من سبيل في ظل ما تعرفه الساحة الفلسطينية من تطورات خطيرة عدا استغلال البلاغ الصادر يوم السبت6 غشت 2022، عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، حول العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، حيث أنه وفي بيان بتاريخ 7 غشت 2022 لما يطلق عليها اسم “لجنة العلاقات الدولية” لحزبه، وصفت لغة البلاغ بـ”التراجعية” و”الانزلاق الخطير”، واعتبرت أنه “جاء على غير العادة من حيث تأخره وخلوه من أي إشارة إلى إدانة واستنكار العدوان الإسرائيلي، وكذا من الإعراب عن التضامن مع الشعب الفلسطيني والترحم على شهدائه، بل وخلا أيضا من أية إدانة لاقتحام الصهاينة لباحات المسجد الأقصى المبارك”.

ولم يقف بيان تلك اللجنة العجيبة عند حدود “استغرابه الكبير” مما ورد في بلاغ وزارة ناصر بوريطة، بل زاد مستنكرا كونه “ساوى بين المحتل الإسرائيلي المعتدي والضحية الفلسطيني، وهو يصف ما تتعرض له غزة بـ”الاقتتال والعنف”، والحال أن الأمر يتعلق بالقتل والتقتيل الذي يمارسه الاحتلال الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني”، متهما الوزارة ب”الهروب من إدانة المعتدي، وهو موقف غريب لا يشرف بلدنا، في الوقت الذي عبرت فيه مجموعة من الدول العربية والإسلامية الشقيقة عن مواقف واضحة في تحميل المسؤولية للاحتلال الإسرائيلي وإدانة عدوانه الإجرامي” وانتهى البيان المثير للجدل ذاته إلى التحذير مما وصفه بـ” خطورة الانزلاق الذي لا يليق بمواقف المغرب المشرفة، ولا ينسجم مع مواقف الشعب المغربي الراسخة في دعم القضية الفلسطينية ونصرة الشعب الفلسطيني الشقيق”.

إقرأ أيضا :  المنظمة التونسية للشغل تنتقد "حماقة الرئيس"

وهو ما أثار اندهاش الكثيرين وأحدث موجة عارمة من السخرية على وسائط التواصل الاجتماعي، حيث هناك من اعتبر بيان اللجنة الحزبية لا يعدو أن يكون تحريضا لإثارة الفتنة أو مزايدات سياسوية تمت بإيعاز “الزعيم الأممي” بنكيران، ولا سيما أن رئيس الحكومة السابق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني، هو من وقع رسميا في أواخر سنة 2020 على الإعلان الثلاثي المشترك مع الوفد الإسرائيلي-الأمريكي، لاستئناف المغرب علاقاته مع إسرائيل. فكيف يسمح بنكيران لمثل هذا الهجوم الأرعن على وزارة الخارجية، الذي يؤكد “على أن التطبيع الذي ما فتئ الحزب يعبر عن رفضه، لا يمكن أن يبرر السكوت عن إدانة العدوان الصهيوني الإجرامي وعدم الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في محنته المستمرة، حيث يتزايد عدد شهدائه وجرحاه جراء هذا الهجوم الغاشم” وهو نفسه الذي خرج حينها للدفاع عن العثماني ضد المطالبين باستقالته من الأمانة العامة، معتبرا أن التطبيع مع الدولة الإسرائيلية يخدم مصالح المغرب. وكان قبلها إبان قيادته لأول حكومة ما بعد إقرار دستور 2011 يردد بأن السياسية الخارجية مجال محفوظ لملك البلاد؟

إقرأ أيضا :  تاريخ الأزمات بين المغرب وفرنسا .. أحداث وصراعات قبل "حرب التأشيرات"

إننا لا نظن أن بنكيران الذي “يظهر ويختفي” حسب المناسبات يجهل أن التمادي في اللعب بالنار قد يقود إلى الاحتراق، وأنه بات لزاما عليه إذا كان يريد تصحيح موقف الحزب والتبرؤ من “عار” التطبيع، أن يكف عن المزايدات المكشوفة وازدواجية المعايير تجاه بعض القضايا الكبرى. فهو يعلم أن وزارة الخارجية جزء من مؤسسات الدولة، وأن بلاغها موقف سيادي وليس قرارا شخصيا لمن يحمل حقيبتها، حيث لا يمكن لها استصدار أي وثيقة دون التأشير عليها من لدن السلطات العليا. ويعلم كذلك أن المغرب استطاع بفضل حكمة عاهله المفدى ورئيس لجنة القدس محمد السادس، استثمار علاقاته مع إسرائيل لفائدة فلسطين، والاضطلاع بدور ريادي في دعم الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني والقدس، ولعل في الوساطة المباشرة التي قام بها أخيرا وأدت إلى فتح المركز الحدودي ألنبي/الملك حسين الذي يربط الضفة الغربية بالأردن دون انقطاع، خير دليل على ذلك…

#النيران #التي #قد #تحرق #بنكيران

زر الذهاب إلى الأعلى