بنيس: المغرب تحتاج تجاوز الطعنة التونسية والتحضير لمعارك دبلوماسية

قال المحلل السياسي سمير بنيس إن “التفاعل القوي والعفوي للشعب المغربي مع الضربة الخادعة للنظام التونسي كان في مستوى الأهمية التي يوليها كل الشعب المغربي لقضية الصحراء المغربية وتشبثه بوحدته الترابية؛ إلا أنه وبعد مرور بعض الوقت وبعدما بدأت تهدأ النفوس، فقد حان الوقت لضبط النفس والتعامل مع هذا التطور بكثير من الاتزان واليقظة وبعد النظر”.

وأضاف بنيس، في مقال له بعنوان “على المغرب تجاوز الطعنة التونسية والتحضير للمعارك الدبلوماسية المقبلة”، أن “ما ينبغي القيام به الآن هو ترك الدبلوماسية المغربية وذوي الاختصاص يعملون في صمت خلف الكواليس، من أجل الدفاع عن مصالح المغرب والحفاظ على المكتسبات الدبلوماسية الجمة التي تحققت خلال السنوات الخمس الماضية، وعلى الأحزاب السياسية المغربية أن تشمر على سواعدها، وتقوم بالعمل الذي من شأنه أن يعود بالنفع على مصالح البلد”.

وتطرق سمير بنيس للموضوع انطلاقا من محاور اختار لها عناوين “الخطوة التونسية لن تؤثر على العملية السياسية”، و”ضرورة تعزيز الحضور الاقتصادي للمغرب في تونس”، و”الاستعداد للمعارك الدبلوماسية المقبلة”، و”الحاجة الماسة إلى جرعة جديدة من الدبلوماسية الملكية”، و”جعل موريتانيا في صلب السياسة الإفريقية للمغرب”.

هذا نص المقال:

لقد كان التفاعل القوي والعفوي للشعب المغربي مع الضربة الخادعة للنظام التونسي في مستوى الأهمية التي يوليها كل الشعب المغربي لقضية الصحراء المغربية وتشبته بوحدته الترابية؛ إلا أنه وبعد مرور بعض الوقت وبعدما بدأت تهدأ النفوس، فقد حان الوقت لضبط النفس والتعامل مع هذا التطور بكثير من الاتزان واليقظة وبعد النظر.

وفي هذا الصدد، سيكون في مصلحة المغرب أن تتوقف كل الجمعيات والأحزاب عن شجب ما قام به النظام التونسي. فلا شك في أن الرسالة قد وصلت إلى من يهمه الأمر في تونس، خاصةً الشعب التونسي، الذي تجمعنا معه علاقات أخوية متينة، والذي يعتبر أكبر ضحية للانقلابات الدستورية التي قام بها رئيسهم وللطعنة الخادعة التي وجهها للمغرب.

ما ينبغي القيام به الآن هو ترك الدبلوماسية المغربية وذوي الاختصاص يعملون في صمت خلف الكواليس من أجل الدفاع عن مصالح المغرب والحفاظ على المكتسبات الدبلوماسية الجمة التي تحققت خلال السنوات الخمس الماضية. بالموازاة مع ذلك، على الأحزاب السياسية المغربية أن تشمر على سواعدها وتقوم بالعمل الذي من شأنه أن يعود بالنفع على مصالح البلد على المدى القريب والمتوسط والبعيد. ويكمن هذا العمل في التواصل مع الأحزاب السياسية المعارضة لنظام قيس سعيد وتعزيز علاقاتها المؤسساتية معها تحسبا للوقت الذي قد يسقط فيه هذا النظام. الكل يعلم بأن الرئيس التونسي يواجه معارضة شرسة من العديد من الأحزاب والنقابات التونسية، وأن فئات عريضة من الشعب التونسي غير راضية عن الانقلابات الدستورية التي قام بها ضد العملية الديمقراطية. وبالنظر إلى الضغوطات الخارجية التي يتعرض لها الرئيس سعيد على يد الولايات المتحدة الأمريكية وظهور بوادر أخذ كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لبعض المسافة مع هذا النظام، بعدما كانتا من بين الدول التي دعمته ضد حزب النهضة، والمعارضة الشرسة التي يواجهها من طرف الأحزاب المتشبثة بالخيار الديمقراطي، فمن غير المستبعد أن ينجح الشعب التونسي في التخلص من قيس سعيد في الشهور أو السنوات القليلة المقبلة.

إن الشعب الذي أنهى حكم نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، الذي كان متحكما في كل دواليب الحياة السياسية والاقتصادية، قادر على إسقاط رئيس لا يكاد يثبت أقدامه على رأس الدولة التونسية ويمر من أزمة اقتصادية خانقة قد تدفع بالشعب التونسي إلى الثورة في أي لحظة. ومن ثم، فعلى الأحزاب المغربية تعزيز علاقاتها مع نظيرتها التونسية وتفادي قيام النظام الجزائري باختراقها وضمها كذلك لصفه.

فالخوف كل الخوف أن تستمر حملة التنديد ضد تونس، وأن يقوم نظام الرئيس قيس سعيد باستعمالها لصالحه لتبرير الموقف الذي اتخذه من قضية الصحراء المغربية، وأن يحاول تصوير المغرب بأنه دولة توسعية تسعى إلى النيل من مصالح جيرانها، وهي السردية التي عمل النظام الجزائري على الترويج لها منذ ستة عقود. إن استمرار نشر هذه البلاغات الاستنكارية التي لن تغير أي شيء قد يتسبب في استعداء الشعب التونسي، الذي على المغرب دولة وشعبا القيام بكل ما في وسعه من أجل الحفاظ عل العلاقات الأخوية التي تجمع البلدين. كما ينبغي تفادي الدخول في الحروب الكلامية في وسائل التواصل الاجتماعي والتعامل مع كل ما يتم نشره بكثير من الحذر والأخذ في الحسبان أن النظام الجزائري هو من يقف وراء المنشورات المعادية للمغرب وأنه يهدف إلى إذكاء نار الفتنة بين الشعبين المغربي والتونسي. فالمغرب ليس في حاجة إلى استعداء الشعب التونسي، بل أن يظهر له أن المغاربة يفرقون بين نظامه وما بين عامة التونسيين وأنهم يتفهمون وضعيتهم.

إقرأ أيضا :  حفريات في فكر الجابري: مفهوم الديمقراطية

الخطوة التونسية لن تؤثر على العملية السياسية

وهنا وجب التأكيد أنه، وإن كان من الصعب تقبل الخطوة التي قام بها النظام التونسي، فإنها لن تقدم ولن تؤخر شيء بالنسبة للعملية السياسية المتعلقة بالنزاع مع الجزائر ولن تقوم بنسف المكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب في الآونة الأخيرة.

إن تونس لم تكن قط ذلك البلد الذي يتمتع بوزن سياسي كبير على المستوى الإقليمي أو المستوى الدولي الذي قد يمكنه من خلخلة موازين القوى فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية أو أن يرجح كافة طرف على آخر. كما أن تونس تمر من أحلك فتراتها منذ استقلالها وتوجد على حافة الانهيار، ولن يكون بإمكانها أن تشكل سندا كبيرا للجزائر في إطار سعيها إلى نسف ما حققه المغرب.

صحيح أن هذا الموقف التونسي يعتبر بمثابة انتصار دبلوماسي مؤقت بالنسبة لنظام العسكر الجزائري؛ ذلك أنه يعطيه دفعة مهمة من الناحية المعنوية ويخرجه من العزلة الدبلوماسية التي عاشها منذ سنوات عديدة. كما يعطي الانطباع بأن الجزائر استعادت قواها، وأصبحت تستعيد مكانتها السياسية والدبلوماسية على المستوى الإقليمي؛ إلا أنه من الناحية السياسية والدبلوماسية، فإن هذا الموقف لن يغير من الدينامية التي يوجد فيها الموقف المغربي.

هذا لا يعني أنه ينبغي التخلي عن تونس وتسليمها في طبق من ذهب للنظام الجزائري. على العكس من ذلك، ينبغي للمسؤولين للمغاربة القيام بكل ما في وسعهم من أجل منع هذا الأخير من تحويل تونس إلى حديقته الخلفية. وفي هذا الصدد، سيكون حري بالمغرب أن يعمل على تفادي قيام الرئيس التونسي بخطوة إضافية، وأن يذهب إلى حد الاعتراف بالجمهورية الورقية للبوليساريو. فلن يكون ذلك السيناريو في مصلحة المغرب وسيجعله في عزلة على المستوى الإقليمي، وسيمكن الجزائر من لعب دور الزعامة الذي حلمت بلعبه في المنطقة على حساب المغرب.

ضرورة تعزيز الحضور الاقتصادي للمغرب في تونس

ولعل خير سبيل لتحقيق ذلك هو أن يعمل المغرب على تعزيز نفوذه ووزنه الاقتصادي في تونس، وألا يترك المجال فارغا للجزائر لتستفرد بهذا البلد وتجعله حكرا عليها.

لقد كان من الطبيعي أن تكون ردة فعل الكثير من المغاربة بعد الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التونسي ضد المغرب هي مطالبة الحكومة المغربية باتخاذ إجراءات اقتصادية عقابية ضد تونس؛ في مقدمتها انسحاب “التجاري وفا بنك” من هذا البلد، وإلغاء العمل باتفاق التبادل الحر بين البلدين. لا شك في أن اتخاذ قرارات مثل هذه قد تجعلنا نحس بنوع من الرضا الآني؛ بيد أنه حالات مثل هذه ينبغي لنا أن نترك عواطفنا جانبا، ذلك أن قرار من هذا النوع سيخدم مصالح خصوم المغرب، وسيعزز السردية التي بدأت الآية الدعاية الإعلامية الجزائرية تروج لها وهي أن المغرب يسعى إلى النيل من اقتصاد تونس لتعزيز نفوده الاقتصادي على المستوى الإقليمي. كما أن أول متضرر من هذه القرارات سيكون هو الشعب التونسي الذي يعتبر ضحية السياسات التي يتبعها الرئيس سعيد.

إن ما تقتضيه هذه المرحلة هو الاحتكام لصوت الحكمة والعقل. وتقول الحكمة إنه ليس في مصلحة المغرب أبدا إعطاء أي انطباع بأنه يسعى إلى النيل من مصالح هذا الشعب؛ بل أن يظهر له أنه لا يزال متشبثا بالحلم المغاربي وبأن تضطلع تونس بدور ريادي في تحقيقه وأنه يسعى إلى تحقيق رفاه وازدهار كافة شعوب المنطقة. ومن ثم، ينبغي للمغرب تعزيز حضوره الاقتصادي في تونس، وأن يجعل منه الورقة التي ستساعده في المستقبل على إرجاع تونس إلى صوابها ولمواقفها الحيادية تجاه قضية الصحراء. كما على كل القوى الحية في المغرب أن ترفع وعي الرأي العام التونسي بأهمية اتفاق التجارة الحرة التي يربط البلدينن وأن هذا الأخير يصب في مصلحة بلادهم. فمن شأن حملة إعلامية من هذا القبيل أن تساعد التونسيون على فهم مدى أهمية الحفاظ على علاقات وطيدة مع المغرب، وأن تدفع الفاعلين الاقتصاديين التونسيين إلى الضغط على الحكومة التونسية لثنيها عن القيام بأية خطوة من شأنها أن تؤدي بالبلدين إلى القطيعة الدبلوماسية. كما على القوى الحية المغربية ألا تدخر جهدا لرفع مستوى وعي الرأي العام التونسي بالحيثيات والتفاصيل التاريخية لملف الصحراء المغربية وقطع الطريق أمام الألة التضليلية الجزائرية. وهنا، وجب التذكير بأن تونس لم تكتف، منذ نشوب النزاع حول الصحراء، بالحياد الإيجابي؛ بل قامت، في فترات عديدة، بدعم المغرب بشكل واضح. ولعل ذلك ما حدث عام 1982 حينما قبل الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية مشاركة وفد “البوليساريو” باعتباره عضوا في المنظمة. وقد كانت تونس من بين 18 بلدا وقفوا إلى جانب المغرب في التنديد بهذه الخطوة، كما كانت من بين تسع دول انسحبت من أحد اجتماعات المنظمة في شهر أبريل 1982.

الاستعداد للمعارك الدبلوماسية المقبلة

ومن جهة أخرى، ينبغي التسليم بأن المغرب دخل في مرحلة جديدة وجد حساسة في حربه الدبلوماسية ضد الجزائر وحلفائها، خاصة أن هذه الأخيرة قد استفادت من الفقاعة المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والبترول وأنها تعتبر من بين أكبر المستفيدين من الحرب الدائرة في أوكرانيا. وبالتالي، فعلى غرار ما قام به النظام الجزائري في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حينما استعمل قوته المالية من أجل شراء دعم الدول الإفريقية، فإنه لن يدخر جهدا من أجل اتباع السياسة نفسها خلال المرحلة المقبلة.

إقرأ أيضا :  تدبير قضية الصحراء يتجاوز مرحلة "رد الفعل" في الدبلوماسية المغربية

فالجزائر تعرف أنها خسرت العديد من المعارك الدبلوماسية ضد المغرب خلال السنوات الخمس الماضية، وأن هذا الأخير أصبح أقوى مما كان عليه في الماضي، خاصة بعض الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء والدعم الواضح الذي قدمته له كل من إسبانيا وألمانيا، وكذلك افتتاح أكثر من 30 بلدا لقنصلياتها في أقاليمنا الجنوبية. كما تعلم أن أحد الأهداف الرئيسية التي يشتغل عليها المغرب لوضع حد للنزاع هو طرد “البوليساريو” من الاتحاد الإفريقي. وبما أن عضوية الجمهورية الورقية لـ”البوليساريو” تعتبر هي آخر ورقة دبلوماسية تمتلكها الجزائر، فإنها ستعمل لا محالة على استعمال السيولة المالية التي حصلت عليها خلال الشهور الستة الماضية من أجل استمالة بعض الدول الإفريقية التي فتحت قنصلياتها في الصحراء المغربية من أجل التراجع عن قرارها.

وإن أهم مؤشر على ذلك هو وصول وفد البوروندي إلى تونس للمشاركة في اجتماع تيكاد الأسبوع الماضي على متن طائرة تابعة للرئاسة الجزائرية. كما أن المؤشر الثاني والأهم هو استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لرئيس غينيا بيساو بداية هذا الأسبوع، بعدما كان هذا الأخير قد انسحب من المشاركة في مؤتمر تيكاد احتجاجا، على ما يبدو، على مشاركة زعيم مليشيات “البوليساريو” في ذلك المؤتمر. إن القاسم المشترك لهذين البلدين هو أن كلاهما فتحا قنصليته في الصحراء المغربية بعدما كانا من بين أول الدول التي اعترفت بهذا الكيان الوهمي وكانا من بين أول المدافعين عن انضمامه لمنظمة الوحدة الإفريقية. فكلا البلدين كانا بين الدول الإفريقية الستة وعشرين التي وجهت رسالة إلى الأمين العام لهذه المنظمة في شهر فبراير عام 1982 وطلبت منه توجيه دعوة رسمية إلى زعيم “البوليساريو” للمشاركة في اجتماعات مجلس وزراء المنظمة بصفته عضوا فيها، وهو ما استجاب له الأمين العام للمنظمة. كما أن القاسم المشترك بين هذين البلدين هو أنهما يعتبران من بين العشر دول إفريقية الأولى التي كانت قد اعترفت بهذا الكيان بحلول شهر مارس 1976 (إلى جانب كل من الجزائر ومدغشقر وبنين وأنغولا والموزمبيق وكوريا الشمالية وطوغو ورواندا). وبالتالي، يظهر بأن الجزائر تحاول استرجاع نفوذها على الدول التي كانت تدور في فلكها حتى وقت قريب والتي استطاع المغرب استمالتها لصالح موقفه بفضل السياسة الإفريقية التي تبناها الملك محمد السادس منذ ما يزيد عن عقد من الزمن.

الحاجة الماسة إلى جرعة جديدة من الدبلوماسية الملكية

على ضوء التطورات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية وعزم الجزائر تقويض كل الخطوات التي يقوم بها المغرب لتعزيز نفوذه في إفريقيا لتهيئ الظروف لطرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي، يظهر أن المغرب في حاجة إلى خلق زخم جديد في العلاقات التي تجمعه مع شركائه الأفارقة.

وأمام عجز مختلف الوزراء المنتمين إلى هذه الحكومة أو أولئك الذين تقلدوا المسؤولية في الحكومة السابقة على القيام بزيارات عديدة لبلدان إفريقيا جنوب الصحراء بغية البناء على الزخم الذي خلقته الزيارات التي قام بها الملك محمد السادس للعديد من بلدان القارة خلال الفترة ما بين 2013 و2017، تظهر أن هناك حاجة ملحة إلى استئناف عاهل البلاد لزياراته المكوكية للبلدان الإفريقية؛ فقد أظهرت لنا التجربة أن تلك الزيارات ساهمت إلى حد كبير في استعادة المغرب لمكانته ونفوذه على المستوى الإفريقي ومهدت الطريق لرجوعه إلى الاتحاد الإفريقي. ورأينا كيف أن تلك الزيارات والاتفاقات التي رافقتها دفعت العديد من البلدان إلى مراجعة مواقفها بخصوص قضية الصحراء المغربية، مما مهد الطريق أمام فتح قنصلياتها في الصحراء أو في تبنيها لموقف الحياد الإيجابي.

إن الاستقبال الذي خصه الرئيس الجزائري لرئيس غينيا بيساو يعتبر مؤشرا واضحا على نوايا النظام الجزائري وعزمه نسف كل ما حققته الدبلوماسية المغربية في إفريقيا جنوب الصحراء خلال العقد الأخير. ومن ثم، فإن أهم ورقة ينبغي للمغرب أن يلعب عليها هي رجوع الدبلوماسية الملكية إلى الساحة الإفريقية. بناء على النجاحات التي حققتها هذه الدبلوماسية في السابق، فلا شك في أن حملة دبلوماسية مماثلة في الشهور المقبلة ستساهم إلى حد كبير في إحباط المخطط الجزائري ومساعدة المغرب على الحفاظ على مكتسباته الدبلوماسية.

جعل موريتانيا في صلب السياسة الإفريقية للمغرب

وسيراً على هذا الاتجاه، ينبغي أن تكون موريتانيا هي أول محطة من بين دول إفريقيا جنوب الصحراء، التي ينبغي زيارتها في المرحلة المقبلة. من المعلوم أن الجزائر حاولت، على مدى العقود الأربعة الماضية، استمالة موريتانيا للاصطفاف إلى جانبها ودعم أجندتها. وقد تمكنت من تحقيق ذلك، عن طريق الترغيب والترهيب ومن خلال الترويج لسردية مفادها أنه في صالح موريتانيا أن يكون بينها وبين المغرب دولة أخرى للنأي بنفسها عن التهديد المزعوم الذي يشكله المغرب على وحدتها وسلامة أراضيها.

إقرأ أيضا :  تونس تبرر "استقبال غالي" وتستدعي السفير

وكانت العلاقات بين المغرب وموريتانيا قد دخلت نوعاً من التوتر، خلال فترة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز. وكان من بين مظاهر التوتر بين البلدين لما يزيد عن خمس سنوات استقبال هذا الأخير لأعضاء “البوليساريو” بشكل منتظم وتركه لمنصب سفير موريتانيا لدى المغرب شاغرا لمدة خمس سنوات، ورفع العلم الموريتاني في الكويرة عام 2015 ورفضه استقبال وفد وزاري مغربي قبل انعقاد القمة السابعة والعشرين للاتحاد الإفريقي التي كانت مقررة في شهر يوليوز 2016، بالإضافة إلى حادثة الكركرات وإعلانه الحداد لثلاثة أيام بعد وفاة الزعيم السابق لـ”البوليساريو” محمد عبد العزيز. وقد تميزت فترة ولد عبد العزيز بتقربه من المحور الجزائري وبانحرافه عن الحياد الحذر الذي نهجته موريتانيا تجاه الصراع المغربي-الجزائري حتى عام 2009 على الرغم من أنها اعترفت بالجمهورية الصحراوية كرها عام 1984.

ولعل من بين مؤاخذات الرئيس الموريتاني السابق على المغرب كون الملك محمد السادس لم يقم بأي زيارة لموريتانيا منذ أن دشن جولته الإفريقية؛ بينما قام بزيارة العديد من البلدان الأخرى مرتين أو أكثر. وعلى الرغم من عودة شيء من الدفء إلى العلاقات بين البلدين بعد انتخاب الرئيس محمد ولد الغزواني، فإنها لم ترقَ بعد إلى مستوى العلاقات التاريخية والثقافية والإنسانية والروحية التي تجمع البلدين. كما أن المغرب لم يعط بعد ضمانات لموريتانيا بأنه يضعها في صميم أولوياته وسياسته الإفريقية، ويسعى إلى بناء شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد معها.

وببقاء نفس العوامل التي أعاقت التقارب بين البلدين، يظل المجال مفتوحا أمام الجزائر لاستغلال الفراغ الذي يتركه المغرب لإقناع موريتانيا بالانضمام إلى معسكرها. كما كنت قد أشرت إلى ذلك في مقال نشرته عام 2016، فإن أحد الهواجس التي تؤرق الموريتانيين هو أن يصبح بلدهم محاطا ببلدين غير صديقين؛ فمن المعلوم أن العلاقات بين موريتانيا والسنغال تعيش دائما على وقع التوتر وغياب الثقة، بينما العلاقات بين المغرب وموريتانيا تعرف الكثير من الفتور. وفي الآن نفسه، تجمع المغرب بالسنغال علاقات إستراتيجية متعددة الأبعاد ويعتبر هذا الأخير من بين أهم حلفاء المغرب في القارة. وما دام المغرب لم يرقَ بعد بعلاقاته مع موريتانيا إلى مستوى إستراتيجي ولم يعطيها ضمانات ملموسة حول حسن نواياه، فإن موريتانيا ستنظر بعين الريبة إلى العلاقات المغربية-السنغالية وتعتقد أن إنشاء دولة بينها وبين المغرب سيجعلها في مأمن عن أي حصار جغرافي بين المغرب والسنغال.

بطبيعة الحال، فإن الجزائر عملت وستعمل على استغلال تقصير المغرب تجاه موريتانيا لإذكاء هذا الانطباع الخاطئ والحيلولة دون وقوع تقارب بين البلدين. ولتفادي هذا السيناريو وضخ دماء جديدة في العلاقات بين البلدين، فمن مصلحة المغرب أن يضع من بين أهم أولوياته بناء شراكة إستراتيجية حقيقية بين البلدين ومساعدة موريتانيا على إنجاح جميع المبادرات الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقها الرئيس الموريتاني؛ في مقدمتها المخطط الذي أطلقه في الآونة الأخيرة من أجل النهوض بالفلاحة. وفي هذا الصدد، ينبغي أن تصبح موريتانيا من بين المستفيدين من السياسة التي نهجها المغرب خلال العقد الأخير لمساعدة العديد من بلدان القارة على تحقيق أمنهم الغذائي من خلال بناء مصانع للأسمدة والاستفادة من الخبرة التي راكمتها مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط. وينبغي أن تشمل الشراكة الإستراتيجية بين البلدين التعاون العسكري والأمني بشكل يمكن المغرب من مساعدة موريتانيا على مواجهة كل الأخطار الإرهابية والأمنية التي تهددها والتي تستعملها الجزائر لابتزازها وحملها على عدم اتخاذ أي خطوة للتقارب مع المغرب. كما سيكون في مصلحة المغرب إعفاء الموريتانيين من التأشيرة لدخول المغرب، خاصة أن هناك إقبالا متزايدا للموريتانيين على القنصلية المغربية للحصول على تأشيرة لدخول المغرب.

إلا أن أي زخم حقيقي في العلاقات بين البلدين لن يتحقق إلا من خلال جعل موريتانيا من بين الوجهات الأولى في إطار الجولة الإفريقية التي يتوق كل المغاربة أن يقوم بها جلالة الملك محمد السادس للحفاظ على المكاسب الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي حققها المغرب خلال السنوات الخمس الماضية.

لقد أظهرت الدبلوماسية الملكية نجاعتها وقدرتها على تذليل كل الصعاب وتخطي كل العقبات التي وقفت أمام المغرب خلال العقود السابقة في طريق الحصول على دعم أصدقائه وأشقائه الأفارقة. وأمام ظهور بوادر تظهر عزم الجزائر الرمي بكل ثقلها في إفريقيا لنسف كل ما حققه المغرب، فإن هذا الأخير في حاجة ماسة إلى دبلوماسيه وقائده الأول لمواجهة المد الجزائري ووأده أو على الأقل التخفيف من انعكاساته السلبية على الديناميكية الإيجابية التي دخل فيها الموقف المغربي منذ ما يزيد عن خمس سنوات.

#بنيس #المغرب #تحتاج #تجاوز #الطعنة #التونسية #والتحضير #لمعارك #دبلوماسية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى