جمهور كرة القدم

حسن زهيرالخميس 22 دجنبر 2022 – 14:45

كلما تم الحديث عن جمهور كرة القدم إلا وتذكرنا مفهوم “تأثير الحشد” أو “سيكولوجية الجماهير”، (غ. لوبون، س. فرويد ، ك. يونغ…)، هذا المفهوم الذي يعتبر أن الفرد يصير أقل تعقلا وسط الجماعة، وقد يُقدِم على أفعال لا يستطيع الإقدام عليها لوحده، ذلك أن “سلوك الحشد” لا يقتصر على المواقف السياسية في المظاهرات العشوائية وغير المنظمة، بل هناك من يرى أن الأمر يتعدى ذلك، فقد يظهر هذا السلوك أيضا أثناء مباراة في كرة القدم، عندما تندفع الجماهير في حماس طاغ نحو تأييد فريق معين أو الغضب من قرار الحكم فينفلت عقالها وتندفع في خطورة بلا ضابط أو رادع.

لكن في المقابل، نلاحظ بوضوح أيضا أن جمهور كرة القدم ليس جماعة متجانسة، لأن الملاعب أصبحت من الأماكن القليلة والنادرة التي نرى فيها إعادة إنتاج المجتمع بكل تناقضاته الاجتماعية، كما يتجلى ذلك من خلال الاختلافات الواضحة في أثمنة كل منطقة من مناطق المدرجات، بالإضافة إلى التباينات العمرية لفئات المشجعين، كما بينت ذلك الدراسات الميدانية التي وجدت أن سقف أعمار “الإلتراس” مثلا يتراوح بين 16 و26 سنة، وسقف “المشجعين النشيطين” بين الثلاثينات والأربعينات، أما “المتفرجين التقليديين” فتصل أعمارهم إلى حدود الستينات فما فوق، ولذلك فلا يمكن أن ندّعي بسهولة أن كل هذه الجماهير المتباينة، ذهنيا وسلوكيا وعمريا هي تحت تأثير مفهوم “الحشد”، بمعناه في علم النفس الاجتماعي، رغم بعض الخصائص الانفعالية النفسية للجمهور الرياضي، والتي قد تبدو مظهريا متشابهة.

إقرأ أيضا :  تصويت فرنسا لصالح قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء يربك حسابات الجزائر

هذا الأمر يجعل من هذا “النموذج التفسيري” لكرة القدم متجاوزا، لأن اللعبة اليوم أصبحت شديدة التعقيد، نظرا لتداخل حقول متعددة: رياضة، إعلامية، اقتصادية، قانونية، ثقافية، سياسية و”سيكوسوسيولوجية”؛ الأمر الذي يتطلب بلورة مناهج وتخصصات متداخلة لدراسة هذه الرياضة وآثارها في المجتمعات المعاصرة، ومع ذلك فإن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن هذه الحقول المختلفة لا يمكن فهمها بشكل منفصل، لأنها تتشابك مع بعضها البعض، إذ لا يمكن، على سبيل المثال، البحث في تاريخ اللعبة ذاتها دون دراسة تاريخ جمهورها، فاختراع البطاقتين الصفراء والحمراء مثلا، كان يهدف إلى ضبط اللاعبين وتوسيع قاعدة الجمهور، وكذلك فإن الرغبة في تجنب كثرة التعادلات لجعل اللعبة أكثر إثارة للاهتمام، وبالتالي استقطاب جمهور أكبر، هو الذي كان وراء تعديل قانون التسلل سنة 1925، ودخول كرة القدم عالم الاحتراف أدى إلى تعديل اللوائح التقنية من أجل حماية أرجل اللاعبين وسلامتهم البدنية، وهكذا دواليك إلى وصلنا إلى أكبر عملية تدويل لكرة القدم، من خلال تنظيم بطولة كأس العالم سنة 1930، وبالتالي ظهور فكرة تشكيل المنتخبات الوطنية التي أفرزت شحنة رمزية جديدة تجاوزت النوادي المحلية، وارتبط فيها النجاح الرياضي بالنموذج السياسي لأمة معينة ليظهر الانتماء الوطني ملموسا من خلال “فريق كروي” يرمز إلى التكامل بين كل مكونات الأمة الواحدة ومعبرا عن شخصية جماعية يدرك فيها المجتمع نفسه في أذهان جماهيره.

إقرأ أيضا :  آمال جيل معلقة على احتراف المستديرة

هكذا إذن شاهدنا، بالتدريج، كيف أدت هذه التطورات المرافقة لمسار كرة القدم، وكذا التعديلات القانونية المتغيرة باستمرار إلى تجويد قواعد الكرة المستديرة وجعلها اللعبة الأكثر جماهيرية في عالمنا المعاصر من كل الأعمار والثقافات والأعراق والأديان…

جمهور كرة القدم

#جمهور #كرة #القدم

زر الذهاب إلى الأعلى