حكاية من الحلل السندسية في الأخبار التونسية

تابعت باهتمام بالغ كجميع المغاربة، الاستقبال “الحميمي” الذي خص به الرئيس التونسي زعيم كيان الوهم المسمى إبراهيم غالي/بن بطوش، على هامش احتضان تونس لمنتدى التعاون الياباني الإفريقي (تيكاد)، رغم تنبيهات المسؤولين اليابانيين لهذا الأخير بعدم دعوة ممثل الكيان الانفصالي حضور المنتدى.

لم يكن ما وقع بالأمر المفاجئ، فهو انكسار آخر في مسار تدبير الرئيس التونسي لعلاقة بلاده بالمملكة المغربية، خاصة في الجانب المتعلق بالوحدة الترابية وبالسيادة الوطنية للمملكة المغربية على كافة أراضيها.

لا أريد لهذا المقال أن يكون مقالا تقليديا يعبر عن الاستنكار والإدانة والشجب وعدم مراعاة الرئيس التونسي للأعراف الدولية والعلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين المغربي والتونسي، ولما يجمعهما من مشترك على جميع المستويات.

ولا أريده أيضا أن يكون قراءة في الموقف المغربي الحكيم والمتبصر مما وقع، حيث تم اتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب، وهذا ليس بالأمر الغريب عن بلد عريق ملتزم بالأعراف الدولية.

كما لا أريد أيضا، تأكيد قناعة المغاربة بكونهم يعيشون في جزيرة، تحيط بها المياه من جهتين، وبحر من الرمال من باقي الجهات، مليء بالأفاعي السامة والجردان والقوارض.

ما أريده هو سرد حكاية وردت في كتاب الحلل السندسية في الأخبار التونسية، لصاحبه محمد بن محمد الأندلسي، المعروف بالوزير السراج، المتوفى حوالي سنة 1737م، حيث ورد في الصفحة 252 منه، في سياق حديث المؤلف عن خصال الداي الحاج مصطفى قاراكوز، ما نصه: “…ويحكى أنه قام يوما من قيلولته وخرج بقميص وسراويل، وقعد عند باب القصبة، وقال لخدمة الباب: أتعلمون فلانا بربض باب السويقة، من وصفه كيت وكيت؟ فعرفوه فقال: ايتوني به الآن فورا. فأسرعوا وأتوه به فسلم عليه وأمر بصلبه في الحين في مدفع، وقال لمن حوله: أتعلمون قضية هذا الرجل؟ إنه كان بيني وبينه ألفة قديمة فقدم علي يوما وقال لي: إني اجتمعت بمغربي يدعي استخراج الكنوز، ونعت لي محلا به مظنة مال وألزمني بالمسير معهما، فسرنا وحفرنا، وظهر لنا مدفن عظيم مملوء سلطانيا، فقسمناه أثلاثا، فراودني على قتل المغربي فامتنعت فلحق به وقتله وأتاني بالمال ليقاسمني النصف، فأبيت وما أخذت إلا الثلث.

إقرأ أيضا :  وزارة العدل تنتهي من صياغة المسودة الأولى لمشروع مراجعة القانون الجنائي

ونسيت الواقعة فوقف علي القتيل مناما الآن وعاتبني على تقصيري في أخذ ثأره، ففعلت ما رأيتم. ولكن اذهبوا إلى الداموس الفلاني في الركن الفلاني منه، واحفروا تجدوا الرجل دفينا. فكان ما ذكر لهم…”.

لا أريد قراءة هذا النص قراءة تاريخية، تلتزم بما تفرضه المناهج التاريخية من التحليل والتفكيك وإعادة البناء، والتمحيص والتدقيق والمقارنات، ولكن أريد فقط أن أتأمل مضمونه تأملا صوفيّا، يستحضر دواخل الذات بعيدا عن ثنائية الحقيقة والخيال.

كان بإمكان المغربي أن يستخرج الكنز بمفرده، لكنه أبى، وتقاسمه مع الاثنين، كانت يده ممدودة ليستفيد الجميع من الخير، فكان في ذلك صافي النية، نقي الطوية، طيب السريرة، وفي قمة نخوتة المغربية، قتل غدرا من أجل حفنة قروش لا تغني ولا تسمن، باع الغادر آخرته من أجل دنياه، فخسر الآخرة والدنيا معا، وعاش القتيل عزيزا في موته.

حكاية صراع الخير والشر لازمت البشرية، وستلازمها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهذا المغربي زرع قبل ثلاثة قرون الخير في تونس، وحصد الشر. وما يزال المغاربة يزرعون الخير في كل بقاع الدنيا، ولن يتوقفوا عن زرعه، رغم أيادي الغدر الممتدة إليهم في كل آن وحين.

إقرأ أيضا :  إعادة النظر في الالتزامات المرهقة"

واستحضر هنا الأيادي البيضاء لملوك المغرب على أهل تونس عبر التاريخ، حكاما وشعبا، ومن أهمها تجول صاحب الجلالة الملك محمد السادس في شوارع تونس بدون بروتوكولات أمنية، خلال زيارة جلالته لتونس سنة 2016، في عز الظرفية الأمنية الصعبة، بعد الهجمات الإرهابية التي تعرض لها هذا البلد.

يصعب تحديد كل مقاصد وأبعاد جلالته من تلك الجولة، ولكنها كانت رسالة بليغة إلى كل شعوب الأرض، أن تونس بلد الأمن والأمان، ولا خوف على تونس وعلى من يزور تونس.

أمر عجز عن القيام به حكام تونس ورجالاتها في ذلك الوقت، وأبى جلالة الملك إلا أن يقوم به، داعما ومساندا لهذا البلد الجريح.

كما تحدث جلالة الملك قبل ذلك عن مدينة تونس، بطريقة لم يسبقه إليها أحد من زعماء العالم، حين قال في الكلمة الملكية السامية التي ألقاها خلال حفل الاستقبال الذي أقامته على شرف جلالته بلدية تونس بتاريخ 25 ماي 2000 ما يلي: “… غير أن هناك جانبا آخر يشدنا إلى هذه المدينة السعيدة هو اتساق عمرانها وجمال هندستها. فلقد زاوجت بين ماضيها وحاضرها، بين أصالتها ومعاصرتها. إن هذا النجاح يعود بالأساس إلى العبقرية التونسية التي تستخلص من كل شيء عصارته، وإلى اللامركزية التي اعتمدتها تونس الشقيقة في تدبير شؤونها المحلية…”.

إقرأ أيضا :  المغرب وإسبانيا يتفقان على تسريع التنقيب عن النفط قبالة سواحل الصحراء‬

رغم هذا وذاك، فأيادي الغدر تمتد إليك يا وطني من حكام تونس، ربما لم يكفيهم الثلث من كنز المغربي المغدور، وهاهم يبحثون عن كنوز البترول النتنة من الجيران، فعزاؤنا إليك يا شعب تونس الأبي في حكامك.

#حكاية #من #الحلل #السندسية #في #الأخبار #التونسية

زر الذهاب إلى الأعلى