خبير في الحكامة الأمنية يعاين “اللعب المكشوف” بالعلاقات المغربية الفرنسية

يتطرق إحسان الحافظي، الأستاذ الجامعي المتخصص في الحكامة الأمنية، في هذه المقالة، إلى الجوانب الخفية في العلاقات المغربية الفرنسية المتوترة، مشيرا إلى دوافع ومبررات الفتور الدبلوماسي بين البلدين منذ الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء.

وفي هذه المقالة، التي توصلت بها جريدة هسبريس الإلكترونية، يؤكد الباحث الأكاديمي بأن “فرنسا تتآمر على المغرب عن طريق وسائل الإعلام التي لا تخفي علاقتها بالأجهزة الاستخباراتية”.

ويضيف الحافظي أن “التفوق الاستخباراتي المغربي بات يحرج فرنسا”، لافتا إلى أن السفارة الفرنسية بالرباط علقت على الأخبار التي تناولتها وسائل الإعلام المغربية بـ”إدراك مسبق منها أنها الخاسر إذا ما بقيت في منطقتها الرمادية”.

أدناه نص المقال:

خلال زيارته إلى الجزائر الأسبوع الماضي، خاطب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الجزائري، تعليقا على الماضي الاستعماري، “أنا من جيل لم يشهد تلك الفترة، ويتطلع إلى المستقبل”. ودافع الرئيس الفرنسي عن فكرته بالقول: “ليس لدينا درس نقدمه نحن الفرنسيين..”. انتهت الزيارة بإعلان “الجزائر” وتوقيع اتفاقيات ومعاهدات تُدرك فرنسا، أكثر من غيرها، أن شريكها غير موثوق.

في الذكرى الثانية والعشرين لعيد العرش (يوليوز 2011)، توجه الملك بخطابه إلى الرئيس الجزائري قائلا: “لا فخامة الرئيس الجزائري الحالي، ولا حتى الرئيس السابق، ولا أنا، مسؤولين على قرار الإغلاق؛ ولكننا مسؤولون سياسيا وأخلاقيا، على استمراره”. ودافع جلالة الملك عن فكرته بالقول: “نحن لا نريد أن نعاتب أحدا، ولا نعطي الدروس لأحد..”. الشيء نفسه ولكنكم تحبون الاستعمار!

فتور ثم نفور

فرنسا، التي كانت وراء تقارب تونسي جزائري انتهى بانحراف وموقف خطير للنظام التونسي يعادي الوحدة الترابية للمملكة، هي نفسها التي دفعت في اتجاه تصعيد النظام الجزائري ضد الرباط على الرغم من دعوات التهدئة ومقدمات الوساطة التي بادرت إليها بلدان عربية خليجية تحديدا. كل الدعوات لم تجد آذانا صاغية؛ لأن فرنسا التي تبحث عن مصالحة تاريخية مع الجزائر، كما جاء في تسريبات المخابرات الفرنسية، ترغب في الإبقاء على حالة التصعيد غير المسبوق الذي يخطط له النظام العسكري في الجزائر بإيعاز من باريس في إطار مخطط شرير تلعب فيه تونس دور “الكومبارس”!

إقرأ أيضا :  تحميل الدليل العملي لشرح قانون المسطرة الجنائية الجزء الأول والثاني (لوزارة العدل)

لم يعد خافيا أن النظام الفرنسي ليس كتلة منسجمة، وربما هذا ما يفسر التحولات المتسارعة في المواقف حيال العلاقات الفرنسية المغربية؛ فهي تارة في حالة نفور، وتارة أخرى تتأرجح بين الفتور والجمود. “تيرمومتر” هذه العلاقة يخضع للمزاج السياسي العام داخل فرنسا، وكذا لحسابات أجهزة الاستخبارات الفرنسية وتقديراتها للعلاقة مع بلدان شمال إفريقيا (مستعمراتها السابقة)؛ غير أن النظرة الاستخباراتية للدولة العميقة تبقى المهيمنة، وهو نفسه ما كشفته الوثائق المسربة المنسوبة إلى جهاز DGSE الفرنسي.

إن توصيف “الكتلة غير المنسجمة” داخل النظام الفرنسي يجعل حسابات الجهاز الاستخباراتي مُقَدم على المزاج السياسي العام داخل فرنسا؛ فلكل دولته العميقة. نتذكر كيف أن السعيد بوتفليقة (المعتقل منذ الإطاحة بشقيقه عبد العزيز بوتفليقة) احتج لدى الفرنسيين على تزايد وجود أسماء من أصول مغربية في مناصب المسؤولية بفرنسا.

لا شك في أن هذا التعليق العابر للرجل الثاني يومها في الجزائر شقيق بوتفليقة لم يكن موقفا شخصيا؛ بل بإيعاز من أجهزة المخابرات داخل فرنسا. فالمسؤول الجزائري يدرك أن حديثه بدون موافقة مسبقة يشكل تدخلا في قرارات سيادية لفرنسا. وهذا من شأنه يصب الزيت على نار الخلافات المشتعلة حينها. ومع ذلك مر التصريح دون صدى؛ لأنه تم بموافقة وتصريح مسبقين.

اللعب على المكشوف!

التآمر الفرنسي على المملكة ومصالحها جزء من لعبة استخباراتية على المكشوف. كان يتم عادة عبر وسائل الإعلام الفرنسية التي لا تخفي علاقتها بأجهزة الاستخبارات الفرنسية. تاريخيا، كانت على علاقة مع أطراف “الكتلة غير المنسجمة” التي تحدثنا عنها. والشاهد على ذلك الحملات المنسجمة والموقوتة التي تشنها وسائل الإعلام الفرنسية مكتوبة ومرئية على المصالح والمؤسسات والمسؤولين المغاربة كلما اشتعلت أزمة بين الرباط وباريس.

إقرأ أيضا :  عاجل | رئيس الحكومة يترأس توقيع اتفاقية لزيادة أطر الصحة في المغرب

تتوجه وسائل الإعلام عادة إلى استهداف المؤسسات الأمنية تحديدا، نتذكر الهجوم الذي شنه الإعلام الفرنسي على المغرب في قضية مزاعم التجسس “بيغاسوس”، دون أن يقدموا دليلا واحدا على امتلاك المملكة لهذا النظام. ودون أن يكتبوا كلمة واحدة عن إسرائيل، صاحبة البرنامج الذي يخضع تسويقه لترخيص من وزارة الدفاع الإسرائيلية مباشرة. وفجأة، توقف الهجوم بعد أن تبين أن الأهداف الحقيقية وراء الحملة بعيدة المنال؛ بل إنها حققت نتائج عكسية: التعاون العسكري المغربي الأمريكي، والتقارب السياسي بين المغرب وإسبانيا ثم ألمانيا.

منذ البداية، لم يكن خافيا عن دوائر الدولة أن المستهدف الحقيقي من كل هذه الحملة ضد المغرب هو شخص عبد اللطيف حموشي، في ولائه ووطنيته؛ تارة بادعاء التجسس على الملك وأسرته لاختبار ثقة الملك في الرجل، وتارة بادعاء التنصت على المغاربة علما أن التشريعات الجنائية في العالم كله تجيز هذا الإجراء وفق ضوابط قضائية وقانونية. كل “القصص الممنوعة” باتت مفضوحة.

العُقدة وسياسة الإنكار

ماذا وراء هذه العقدة؟ الأكيد أن فرنسا “المتنكرة” للتعاون المغربي في مجال مكافحة الإرهاب ليست سعيدة بالتقارب بين واشنطن والرباط في المجالين العسكري والأمني، ولا لرسائل الإشارة التي بعثها البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي تشيد بفعالية التعاون مع المؤسسة الأمنية في المغرب وبحرفية شخص مديرها العام.

الإنكار الفرنسي للتعاون المغربي سلوك استعماري. ربما لأن التفوق الاستخباراتي المغربي فيه الكثير من الإحراج لفرنسا. في أبريل سنة 2021، أنقذت معلومات قدمتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني لمصالح الاستخبارات الفرنسية هذا البلد الأوروبي من هجمات إرهابية كانت تعد لها سيدة وتستهدف كنيسة في مدينة مونبولييه. لم تعلق فرنسا على التنسيق الأمني، وكأن شيئا لم يكن. كانت هذه الواقعة أحد تجليات العقدة الفرنسية. نكأ المغرب على الجرح ثانية. وأصدر تصريحا مقتضبا روى تفاصيل قصة الاختراق الأمني المغربي للتنظيمات المتطرفة داخل فرنسا وتحييده مخاطر كانت تهدد حياة مواطنين فرنسيين في عمل إرهابي وشيك ليلة الثالث من أبريل. لاحقا وفي اتصال عابر بين وزير الخارجية الفرنسي السابق جان إيف لودريان ونظيره المغربي ناصر بوريطة، نوه المسؤول الفرنسي بالتعاون الأمني المغربي الفرنسي دون التفصيل في أسباب هذا التنويه الذي “سقط هكذا” في حديث دبلوماسي!

إقرأ أيضا :  مورو: سلوك الرئيس لا يقدم فائدة إلى تونس

حاليا، يبدو أن فرنسا لم تعد تتحمل صمتها. وما كان يجري في الكواليس خرج إلى العلن، فليس معتادا أن تعلق السفارة الفرنسية بالرباط على الأخبار التي تتناولها مواقع الإعلام المغربية؛ لكنها فعلت هذه المرة بإدراك مسبق أنها الخاسر ما بقيت في منطقتها الرمادية.

#خبير #في #الحكامة #الأمنية #يعاين #اللعب #المكشوف #بالعلاقات #المغربية #الفرنسية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى