ضدا على الشيخوخة

إبراهيم أقنسوسالثلاثاء 17 يناير 2023 – 12:35

هو موضوع طريف ودقيق، يعالجه الأستاذ الكبير الكاتب والروائي المغربي عبد الكريم غلاب، بلغة أنيقة، تجمع بين الحكي عن الذات وبين التأمل العلمي والفلسفي، في هذه المرحلة العمرية التي تسمى الشيخوخة (الشيخوخة الظالمة، ذ. عبد الكريم غلاب، مطبعة النجاح الجديدة، ط1 الدار البيضاء).

وعلى امتداد هذا الكتاب، يبدو الكاتب مصرا على رفض هذه الشيخوخة، بالمعنى السائر والمتعارف عليه بين الناس؛ فلا وجود للشيخوخة حقا إلا في شعورنا، (إنك شيخ بقدر ما تشعر بذلك) (ص: 164)، ويبدو الأستاذ غلاب مهتما بإعادة كتابة تعريف جديد لهذه المرحلة العمرية من حياتنا، مؤكدا أن الشيخوخة الحقيقية هي شيخوخة الفكر (ص: 5)، ولا علاقة كبيرة لها بالسن، ولذلك قد يشيخ الإنسان وهو بعد شاب، وهو في ميعة الصبا، بلغة الكاتب (ص: 6)؛ فالشيخوخة، في رأي غلاب، هي حالة فكرية للسن دور فيها، ولكنه ليس حاسما في صنعها (ص: 44)، فلا معنى للشيخوخة لمن يريد المعالي؛ وكثير من الشيوخ كانوا مثالا للشباب في مواقفهم، ويستشهد الكاتب بأحداث من تاريخ المغرب الحديث (ص: 52_53)، في هذا المعنى؛ فالشيخوخة لا تقاس بعدد السنين، يقول الكاتب: (لا أذكر عام ميلادي إلا حينما أطالب بتسجيل معلومات شخصية في ورقة رسمية، لا أكتم نفسي أن ذلك يفاجئني أحيانا، فلا أكاد أصدق… أزعم لنفسي صادقا أنني أصغر من سني، سعيد بذلك) (ص:62).. كل هذا لأن الشيخوخة لا تعني العجز، بالنسبة إلى الكاتب، ولا تعوقه عن كل أنشطته التي يزاولها ويحبها، فهو يحضر العروض المسرحية (ص:76_77)، ويتابع أجمل الإبداعات السينمائية، حضوريا، في نهاية الأسبوع. كما يحضر مرة في السنة سهرة لأم كلثوم؛ ولا يفوت الكاتب هنا أن ينعطف قليلا، ليدلي برأيه حول معنى المسرح والسينما والموسيقى، كما يراها (ص: 77_78_79)، ثم يعود ليؤكد أنه مع كل هذا، كان لا يفتر عن ممارسة أنشطته السياسية، ولا يعتبر الشيخوخة مانعا لذلك (ص:89)؛ فالشيخوخة عنده ضد الموت، بعكس الاعتقاد السائد، وهي فضاء للحب وللتواصل الفكري، (بين الذين فكروا قبل خمسة آلاف سنة، لأنهم كانوا أحياء، والذين سيفكرون بعد خمسة آلاف سنة، لأنهم سيكونون أحياء) (ص: 122).

إقرأ أيضا :  الماسترات المفتوحة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة 2020/2019

ويتوقف الكاتب عند رؤيته للموت، في علاقة بموضوع الشيخوخة، ويحكي مصابه في العديد من أصدقائه وأساتذته (ص: 123 …147)، ويستدعي أزمنة كان للشيوخ فيها حضور وأعمال يعرفون بها، ويعرض لنماذج من هؤلاء الشيوخ ( ص: 150 ـ 155)، ويذكر جده من بينهم، وما كان يتمتع به من قوة وإصرار (ص: 159).

يقارب الأستاذ عبد الكريم غلاب، في معرض تقديمه لفصول من سيرته الذاتية، موضوع الشيخوخة بما يعضد قراءته لهذه المرحلة الدقيقة من عمر الإنسان، فيورد مجموعة من الأمكنة التي مر بها، (ص: 47)، وبعض أصدقائه الذين سعد بصحبهم، كما حزن كثيرا لفراقهم (محمد بن عبود، عبد الكريم ثابت، أحمد بن المليح، عبد المجيد بن جلون)، (ص:125 إلى ص 145)، وكذا بعض أساتذته الكبار الذين تتلمذ عليهم (طه حسين، أحمد أمين، أمين الخولي، محمد مندور، لويس عوض…) (ص: 146)…

كما يورد الكاتب، في ثنايا حديثه عن سيرته الذاتية، بعض الأحداث التي كانت تعيده في كل مرة إلى الشيخوخة، بالمعنى القيمي للكلمة؛ شيخوخة الفكر والنفس والقلب، كما يقول (ص: 49). ومن هذه الأحداث ضياع فلسطين وسيناء، (ص: 57)، هزيمة مصر أمام إسرائيل (ص: 58_59)، فساد العملية الانتخابية التي شارك فيها، (ص: 91)، ويتوقف الكاتب عند تأثره الصحي بهذه الأحداث، ومطاردة الشيخوخة، النفسية والفكرية لكيانه؛ غير أنه لا يتنازل عن موقفه الذي يبدو مبدئيا، من هذه الشيخوخة، التي يصفها بالظالمة، بالرغم من كل الصعاب والمطبات التي صادفها.

إقرأ أيضا :  الريسوني يستقيل من رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

إن الشيخوخة بالنسبة إليه تشكل بداية الحياة، لا بداية الموت (ص:164)، يقول مؤكدا هذا المعنى: (لا أعتبرها بداية الموت، إلا عند الذين يريدون منها أن تكون كذلك، تستجيب لهم لأنهم نفسيا يرفضون الحياة، ويعانقون الموت قبل أن يعانقهم) (ص: 165)، ويردد مع الأستاذ علال الفاسي قوله وإصراره: (لن أموت قبل أن أموت) (ص:168).

ويجمل الأستاذ غلاب كلامه، بوصف الشيخوخة بكونها (أجمل مرحلة في الحياة) (ص: 173)، ويعاتب الذين (لا يخططون لشيخوختهم، ويكتفون بانتظار الموت) (ص:178)، وينتقد بعض التصرفات المرتبطة عند الكثيرين بمرحلة الشيخوخة، كاحتجاز القبور، وبناء المساجد، وكأن الشيخوخة تعني الموت، ليس إلا؛ الشيء الذي يرفضه الكاتب (ص:178)، مؤكدا في النهاية أن الشيخوخة هي (أسعد مرحلة من مراحل الحياة… وأن الذين يكرهون الشيخوخة لا يعرفون كيف ينعمون بمفاتنها… ويصفها في الختام، بزهرة العمر (ص:180).

#ضدا #على #الشيخوخة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى