عن أعمال الفنان عبد الإله الناصف

ليس من السهل تحليل ومناقشة الأعمال التشكيلية دون الاعتماد على أرضية فكرية وعلمية تروم مقاربتها؛ وهي أرضية تتوسل مفهومات تمتد بنا إلى حقل التأويلات الجمالية للخروج من الدلالات العامة إلى الدلالات الفهمية التي يستنبطها الناقد الفني من المعاني والرموز التشكيلية. لذلك، كانت هذه هي المقاربة التي اتخذناها منطلقا لقراءة تجربة فريدة من نوعها ومضامينها، ذات الارتباط الوثيق بالحركة التشكيلية المعاصرة بمدرسة تطوان. إنّها تجربة الفنان التشكيلي والبصري عبد الإله الناصف، سليل مدينة مكناس، وخريج “المدرسة الوطنية للفنون الجميلة” و”مدرسة الصنائع والفنون الوطنية” بتطوان. وهو الذي تابع دراسته وتكوينه بفرنسا، ثم بالولايات المتحدة الأمريكية التي استقر بها من أجل التخصص والعمل بمجال التدريس الأكاديمي.

لقد تدرجت تجربة الفنان عبد الإله الناصف بين العديد من المدارس الفنية والتوجهات البصرية، نذكر منها: الواقعية، والتعبيرية، والتكعيبية، والسريالية، والتجريدية…، ليستقر على قماشات مُتحرّرة يوصل من خلالها بناء على قناعته الأكاديمية أجمل تجليات تراث الوشم المجسد للثقافة المغربية والأمازيغية. هي حروف معبّرة ورسومات زخرفية انبنت على تعدد الأشكال والأنواع، بتدرج الخطوط والنتوءات، وتأثير الضوء والظل، وكذلك المحتوى الجمالي الذي ينطق بلسان الوشم وثقافة التراث. وإذا تأملنا هذه القماشات المعلقة، والشبيهة بأروقة النوافذ الشفافة، فإننا نستطيع اختراقها بالفعل النظر الكاشف عن الفضاء الداخلي للمكان الذي تتواجد به.

وهي أيضا أعمال حرة ومفتوحة على كل تأويل مشروع، يهدف إلى فك شفرة الحروف العربية والأمازيغية، والخطوط والأشكال التي تُستخدم في الحناء وفي كتابة الطلاسم، وبمعمار المنازل المغربية العتيقة، وداخل الزوايا الدينية… إنّها أشكال تجد نواتها في الرسومات التزيينية التي تأسّست عليها هندسة الزربية المغربية بفسيفسائها الآخذ والمُبهر.

إقرأ أيضا :  "المستشارين" يصادق على قانون المالية

ويعتبر الفنان عبد الإله الناصف من المدافعين عن وحدة التراب المغربي في العديد من أعماله التشكيلية. وقد تجلى ذلك في آخر منجزاته؛ تلكم التي اشتغل فيها على قماشات شفافة متعددة الألوان، ارتبط موضوعها بالصحراء المغربية، والتي وظف فيها الهندسة الرقمية ومستجدات التشكيل المعاصر، بهدف الكشف عن الصوت الذي يوجد داخل شفرة القماشات المستعارة من الشفرة العالميةCode QR ، والموجودة بالوثائق، والمنتوجات، والسلع الاستهلاكية، وتأشيرات السفر…

إنه صوت النشيد الوطني لاثنين وعشرين دولة، فتحتْ قنصلياتها بالصحراء المغربية اعترافا منها ومساندة لقضيتنا الوطنية. وقد تجلى هذا، بأسلوب معلومياتي استعاري يَمْتَحُ من جديد التقنيات الرقمية للتشكيل العالمي المعاصر، والخاص بالإنشاءات الجمالية Installations في الهواء الطلق. ويضم هذا الأسلوب بين طياته الأحجام Volumesوالمجموعات Ensembles، حيث تغدو معه تلك القماشات، بمثابة كائنات حرة طليقة في الكون. ويمكن للمتلقي التفاعل مع هذه القماشات، عن طريق تحميل تطبيق QR Reader على الهاتف النقال من أجل اكتشاف ما تخفيه الشفرة من مُفاجأة Surprise .

ومن اللافت للنظر أن يُصرح الفنان ويخبرنا بأن أعماله تكون حية عندما يشرع في ممارسة التحليل الذاتي عليها، وأمام الجمهور عن طريق خلق فعل المناقشة. أما عندما يتم عرضها بدون هذه المناقشة فإنها تكون ميتة. ولهذا، فقد اختار أيضا أن تكون أعماله بدون توقيع وتاريخ مُحددين. إنها منطلقات فنية يقوم عليها تصور الفنان عبد الإله الناصف لمجال إبداعه التشكيلي والبصري، فصارت بعد ذلك قناعة راسخة التزم بها.

إقرأ أيضا :  "البيجيدي" يدافع عن الحصيلة الاجتماعية في عهد حكومتَي بنكيران والعثماني

كما تُطلعنا بنية القماشات الشفافة عند الفنان الناصف على دلالتين مختلفتين: الأولى، ذات بعد إدراكي كُلي، تحضر فيه الرؤية البصرية للعمل الفني؛ بحيث تُخفي داخلها عوالم من الخطوط والكتل التي تأسّستْ عليها التركيبة الدلالية لهذا العمل، إذ تنقلنا إلى فضاءات Espaces زخرفية يلتقي فيها الرمز بالحرفين العربي والأمازيغي، في محاولة دؤوبة للجمع بينهما.

أما الدلالة الثانية، فهي ذات بعد إدراكي جُزئي، وتضم سلسلة من التصنيفات Classifications في الشكل والمنظور -بالمعنى المُصغر للعمل الفني- كما تروم التحرر من قيود اللوحة المُتعارف عليها، بهدف الانفتاح على الأسلوب المعاصر للفن البصري والرقمي. وهنا نفهم مع عبد الإله الناصف معنى حرية الاختيار وإمكانية العيش في تضاريس العوالم الممكنة التي يبتغيها الفنان في حاضره، ووفق مرجعية التصنيف العالمي للشفرة Code QR.

تأسيسا على ما سبق ذكره، نؤكد، في ختام هذا المقال، أن الأعمال التشكيلية للفنان عبد الإله الناصف تتأطر ضمن الأعمال الأكاديمية الجادة التي تبتغي إحياء التراث المغربي بمنظور إبداعي حداثي داخل حقل الفنون التشكيلية والبصرية. إنّه منظور يستند إلى فكرة الدفاع عن الموروث الحضاري المغربي باستحضار القضايا الوطنية التي انخرط فيها هذا الفنان، كغيره من الفنانين المدافعين عن أوطانهم، والملتزمين بروح المسؤولية التاريخية والحضارية والإنسانية. ولئن كانت التجربة الجمالية لعبد الإله الناصف تجد جذورها في تربة مغربية خصبة ارتبطت بدلالات الوشم وتجلياته الزخرفية، بنزعة حروفية معاصرة، فهي أيضا تجربة تنفتح على هندسة الرقميات ومفهوم الصورة البصرية للتراث في حقل تشكيل المعاصر، وما يزخر به من تقنيات وأساليب متجددة بتجدد الرؤى والمقاربات.

إقرأ أيضا :  أين وكيف سيشيع جثماني؟

#عن #أعمال #الفنان #عبد #الإله #الناصف

زر الذهاب إلى الأعلى