فرحة شعب بحجم وطن

واليوسفي رمز ثورة ملك وشعب

انتصر الفريق الوطني لكرة القدم على منافسه الإسباني الذي يعد من أقوى الفرق الكروية في العالم. انفجر المغرب والأقطار العربية فرحا وغبطة من المحيط إلى الخليج. خرج عاهل البلاد يجول الشوارع مرتديا القميص الوطني وراية البلاد الحمراء تتوسطها نجمة خضراء ترفرف بيديه الكريمتين وسط هتافات شعب برهن دائما عن اعتزازه بانتمائه وتعطشه الدائم لتحقيق ريادة وطنه إقليميا ودوليا. ذكرني الحدث بالفترة التاريخية التي عبرت عن صدق تلاحم الشعب المغربي قاطبة مع عرشه. سميت في البداية باسم ذكرى 20 غشت، وأعطاها الملك الراحل محمد الخامس اسما بمدلول جديد “ثورة الملك والشعب”. إنها الذكرى التي ساهم في تصميم بروتوكولات إحيائها المرحوم عبد الرحمان اليوسفي، كرجل نعته البعض كزعيم بحجم وطن، والبعض الآخر كزعيم إجماع وطني. ربطته علاقة حب واحترام مع الملوك الثلاثة. مكانته الاعتبارية في الدولة المغربية ربما مرتبطة بكونه الأعمق فهما للتناغم المبحوث عنه بين الملكية والشعب المغربي. تجبرت في أحيان كثيرة الانتهازية المستثمرة في الابتزاز واستغفال الجماهير، فقابلها نوع من الحكمة والتبصر المضعف للمخاطر والتهديدات الداخلية والخارجية. تجبر البعض كأفراد بسلطة فرنسا، واحتمي البعض الثاني بالأجنبي، وامتد البعض الآخر بإيديولوجيته التقليدية إلى الخارج بمنطق الذات الرابحة على حساب الوطن، ووصلت البلاد إلى مفترق طرق تحت أشعة الشمس المنيرة، فاختارت الدولة وقواها الوطنية الحية بلا شك الطريق الصحيح. وصاح الشعب اليوم مخاطبا نفسه ودولته وهو يقارع رياضيا فرق شعوب متقدمة للغاية “سيير … سيير …..”. لقد عبر بحماسه المنقطع النظير عن استعداده الواضح لخدمة المستقبل.

أعود لتاريخ هذا الرجل، عبد الرحمان اليوسفي، المجسد باستحقاق لأمجاد هذا الوطن الأبي بملوكه وبطولاته وحكمة رواده وتفانيهم في الكدح المتواصل لتجاوز المصاعب والفترات المرهقة. إنه التاريخ المجيد الذي سطع فيه نجم شعار المملكة “الله، الوطن، الملك”عاليا في السماء.

والعالم يتابع الفرحة العارمة المغردة فوق الرؤوس مخالجة النفوس، تعيد الذاكرة إلى سطح الأحداث أمجاد الماضي، وكأنها تحاكم علانية جيوب المقاومة التي تمكنت في فترات مصيرية من تاريخ المغرب المستقل من اختراق الروح الجماعية وتعكير أجواء الفرحة المغربية في فترات كان الشعب في أمس الحاجة إليها. لو لم يكن المناوئون للمستقبل بيننا، لوصلت البلاد اليوم بلا أدنى شك إلى مستويات الدول المتقدمة سياسيا وحقوقيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

بالاحتفاء بالفرحة الحالية لا يمكن للفاعل الجاد إلا أن يستحضر روح الزعيم اليوسفي بجذور أدائه السياسي التاريخي الذي لم يدخر خلاله جهدا في التعبير عن استماتته في الدفاع على العرش والوطن. إنه عبد الرحمان كحضور قوي في مقاومة الاستعمار وزعيم في مشروع بناء المغرب الديمقراطي الحداثي. إنه شخصية سياسية مغربية فذة. تميز باستثنائية لافتة في مسار سياسي وطني لعب فيه المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد أدوارا ريادية. لقد ساهموا جميعا بشكل لافت في إغناء قاموس تدبير الشأن العام مؤسساتيا وأخلاقيا وميدانبا.

بعدما سلمه بوعبيد المشعل، أقسم وهو يؤبنه بالسير على دربه. اعتبر المناضلون هذه الخلافة طبيعية للغاية نظرا لاستثنائية عبد الرحمان بتطلعاته ومواقفه وحكمته ورصانته. تحمل المسؤولية في زمن إعلان النظام العالمي الجديد وتأسيس المنظمة العالمية للتجارة بمراكش سنة 1995. وجد نفسه أمام مستجدات العصر الضاغطة في كل المجالات. وجد نفسه أمام فئة ديمغرافية من جيل الستينات، وأمام شعار حرية حركية السلع والخدمات ورؤوس الأموال. هو رجل يتأمل أكثر ما يتحدث، تحمل المسؤولية الحزبية والحكومية في زمن استثنائي وبقي السؤال في شأن مدى قدرة الواقع على تملك التحديات أولا والانخراط في رفعها ثانيا معلقا إلى اليوم.

في إطار الاستمرارية بطاقتها الايجابية انخرطت الدولة في منطق سياسي جديد/قديم اعترافا بنفعية ورمزية وجود اليوسفي زمن التحولات الجارفة. فتحت باب الإصلاحات الدستورية وتطورت الأحداث بعدما اعتزل العمل السياسي زمن الربيع العربي وإعادة بناء منطقة الشرق الأوسط حسب تفاعل القوى الدولية المتصارعة اقتصاديا ووزنها السياسي في العلاقات الدولية. بوأ حزبه الصدارة في المشهد السياسي المغربي في سنتي 1998 و 2002. لم يتقاعس قط في تسخير رصيده النضالي والحقوقي كاملا لمصلحتي الدولة والمجتمع. والمغرب يبحث عن تحديد مصيره، برز اليوسفي بإعلانه اندلاع “ثورة الملك والشعب” رسميا. لم يفارقه حلم ترسيخ مقومات بناء المغرب الحديث تحت شعار “الله، الوطن، الملك”. توج المسار الطبيعي بتحميله مسؤولية قيادة الجهاز التنفيذي مسميا المرحلة تارة ب”التناوب والتوافقي” وتارة أخرى ب “مرحلة الانتقال الديمقراطي التوافقي”.

تحمل الرجل مسؤولية إنعاش قلب البلاد من السكتة القلبية زمن قيادة عائلة بوش الأمريكية للعولمة. دخل ساحة المعركة الفكرية الجديدة برصيد زاخر بالتراكمات وبنبذة حياة تكوينية وسياسية ثمينة. له حس تنظيمي مبهر. عرف بحرصه الشديد كيف يفك رموز أدق القضايا وأعقدها. امتاز بقلة الكلام وببلاغة الصمت وبقدرة هائلة على الاستماع. إنها الخاصيات التي جعلت منه زعيما مغربيا وعربيا وعالميا من نوع خاص. كان موجودا بقوة في منظمات المجتمعات الدولية العربية والدولية (المحامون العرب، الجامعة العربية، الأممية الاشتراكية،….). سخر فنون الخطابة لرفع مردودية تدبير الأوراش التدبيرية الحزبية والوطنية.

تراكم الحكمة والخبرة في حياته منذ صباه جعل منه رجل استثنائي يتقن تبادل الإشارات والرموز البناءة بسلمية ناذرة. إنه رجل الأسلوب اللبق والمعروف بتشبثه بالوفاء بتعهداته ولمنطوق كلماته. عرف بالجرأة والصدق في فترتي المقاومة ومفاوضة المستعمر العصيبتين. عاش الصدام بين السلطة والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. شارك بقوة في إعداد التقرير الإيديولوجي ونصرته سنة 1975. لم يدخر جهدا في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

تطلعات الرجل الواقعية والقابلة للتنفيذ ديمقراطيا وحقوقيا جعلته يراهن على تقوية القدرة الترابية مغربيا على تملك إرادة العبور بالبلاد إلى بر الأمان. فترات زعامته بقيت ساطعة في الأذهان وفاتنة للعقول بجديته وأهدافه ومراميه وصبره. فبالرغم من الصعوبات والصراعات الداخلية (حزبيا) والخارجية تفوق على جيوب المقاومة المصلحية. بوجوده البارز تم التقارب القوي مع عرش المغاربة في العشرية الأخيرة من عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله وتوطد في العهد الجديد. هو معدن مواقف ومبادرات وأفكار ونضالات بارزة تاريخيا. لم يفارقه طوال حياته أمل فتح الآفاق الواعدة أمام الأجيال للتمتع بنماء تراب بلادهم.

عبد الرحمان زعيم إجماع وطني امتد صداه الساطع منذ سنوات شبابه ليمتد إلى آخر لحظات حياته. هو رصيد هائل للقيم الوطنية في تاريخ بلد يتطلع للمستقبل. وبذلك، أعتبر هذا المقال بمثابة وسيلة وصل لتيسير اطلاع أبناء اليوم والغد على معنى الزعامة الوطنية، ومعنى حق أبناء الوطن في تذوق ملذات ومستلزمات التطلعات الوطنية الجديدة في الألفية الثالثة. أطمع أن أتفوق في رسم معالم الوفاء لهذه الشخصية النموذجية بالمغرب وإيفائها حقها. محتوى هذا النص لا يميل لتمجيد الذاكرة بل لفتح النقاش من جديد في قضايا الماضي بزعاماته وتراثه السياسي لتجنيب البلاد آفة الانزلاق في حافة التفاهة الثقافية والتيه السياسي الذي يميز مرحلة ما بعد الحداثة العالمية بصراعاتها الجديدة. إنه رهان تحقيق ديمومة فرحة شعب بحدة تتعدى بمداها وأبعادها منسوب الغبطة التي عبر عنها المغاربة وهم يتابعون فريقهم الوطني في منافسات كأس العالم لسنة 2022 وهو يهزم أحسن الفرق المصنفة عالميا.

ريادة في حزب الاستقلال

اليوسفي كشاب لم يكن عاديا أبدا. كانت له مكانة راقية عند الشهيد المهدي بن بركة. وهو دون العشرين سنة من عمره تعرف عبد الرحمان على هذا القائد الفذ في فترة حساسة كان فيها حزب الاستقلال يستعد لتقديم عريضة الاستقلال. لقد كان اليوسفي من النخب الشابة الرائدة التي يعدها المهدي لمرحلة ما بعد الاستقلال. أدى القسم بين يديه. شكل بسرعة خلية تابعة لحزب الاستقلال في ثانوية مولاي يوسف. عمل على امتدادها إلى المدرسة المولوية التي يدرس بها الأمير مولاي الحسن ولي العهد. بالخليتين انطلقت عملية المطالبة بالاستقلال من خلال مظاهرة في الرباط. اشتدت المقاومة. تم اغتيال الزعيمين الحاج أحمد بلافريج ومحمد اليزيدي. طرد اليوسفي من الثانوية وداخليتها. استقر مؤقتا في منزل شيخ الإسلام بالرباط. ابعد هذا الأخير عن العاصمة قسرا. اضطر عبد الرحمان للبحث عن مخبئ جديد. آواه المناضل زين العابدين بن إبراهيم لفترة قصيرة. لجأ لمدن أخرى قبل أن يستقر بالدار البيضاء. كدح ليل نهار. بصم الحركة النضالية وقواها بالعاصمة الاقتصادية. برهن على قدرة كبيرة في التنظيم الحزبي. اشتد عليه الخناق من السلطات الفرنسية. نقل إلى طنجة وبدأ نشاطاته الإعدادية لاستقبال الملك محمد الخامس (سنة 1947). دخل طنجة محاطا بمناضلين أوفياء. تم تنظيم لقائه مع أمه الحاجة بعدما اعتقدت بموته. نحج في تأسيس فرع لحزب الاستقلال من أبناء المدينة ونواحيها، وشكل خلايا في مدينة البوغاز قادرة على تعبئة السكان. نجحت زيارة عاهل البلاد الذي شعر بارتياح كبير وسط شعبه الملتحم بعرشه. وكان الخطاب الملكي التاريخي الذي أكد من خلاله الملك مدى تعلق المغرب بالجامعة العربية متجاهلا الوجود الفرنسي.

إقرأ أيضا :  أخنوش: لا ينبغي لفرنسا الاكتفاء بدور "المراقب" في قضية الصحراء المغربية‬

بعد نجاح الحزب في الترويج لمذكرته حول حقوق الإنسان سنة 1948 بالأمم المتحدة، وبعدما كون جيلا من المناضلين والزعامات بالدار البيضاء، توجه عبد الرحمان إلى فرنسا سنة 1949 قصد متابعة دراسته الجامعية والترويج للقضية المغربية. وصل إلى مدينة الأنوار في وقت كان عبد الرحيم بوعبيد يستعد للعودة إلى المغرب ليشتغل محاميا بمحاكمها بعد إنهائه لدراسته الحقوقية. تخصص اليوسفي ورفاقه بباريس في التعريف بالقضية المغربية لدى الأوساط الفرنسية والدولية. تكلف بتنظيم صفوف المناضلين والطلبة والعمال بفرنسا. تضايق الفرنسيون من تحركاته، فطلب منه مغادرة العاصمة إلى مدينة بواتيي. استقر بها خلال السنة الدراسية 1951-1952 وحصل على الإجازة. ازدادت حدة مضايقته، فغادر سنة 1952 فرنسا إلى مدريد مكلفا بمهام نضالية جديدة.

لمع نجمه لدى القيادات الاستقلالية. طلبه الحاج أحمد بلافريج كمساعد في الولايات المتحدة الأمريكية. في نفس الوقت طولب من أجل الالتحاق بالزعيم علال الفاسي بالقاهرة. فضل اليوسفي عدم الابتعاد عن العالم العربي. تصادف طلب علال الفاسي مع حدوث انقلاب بمصر، فعرقلت مسطرة حصوله على التأشيرة للدخول للقطر المصري. انتظر كثيرا بمدريد إلى أن اضطر للعودة إلى مدينة البوغاز. التحق بصديقه الدكتور عبد اللطيف بن جلون. تكلفا بإعداد الترتيبات لإنجاح الاحتفالات بعيد العرش لإبراز المكانة التي يحتلها السلطان المحبوب لدى المغاربة. فطن اليوسفي منطق مذبحة كاريير سنترال وهدف بونيفاس وتهديدات المقيم العام الجنرال غيوم المتكررة للملك. اصطدم مع اليزيدي في موضوع نشر ريبورتاج حول المذبحة. خلع ونفي الملك إلى جزيرة كورسيكا. أمام هذا الحدث غير المقبول، نحج عبد الرحمان اليوسفي إلى تثبيت ثورة الملك والشعب. كان الهيجان الشعبي قويا بطنجة ضد الاعتداءات على رمز سيادة البلاد. أنهك عبد الرحمان نفسه جراء الدور الكبير الذي يقوم به ليل نهار في حركة المقاومة في إطار ثورة الملك والشعب. التهبت إحدى رئتيه وتدهورت حالته الصحية. توقف عن العمل وانتقل إلى مدريد. اجريت له عملية جراحية فعاش ما تبقى من حياته برئة واحدة. عاد الملك إلى عرشه وفندت مقالب المقيم العام، وأخذ الوطنيون يستعدون للمفاوضات من أجل الاستقلال.

وهو في جونيف بسويسرا لقضاء فترة نقاهة والخضوع لمراقبة طبية، كان دائما يوصي المناضلين بعدم إرهاق ولي العهد الحسن الثاني بمشاكلهم وخلافاتهم. عاد إلى المغرب في صيف 1956. ترأس اجتماع المجلس الوطني للمقاومة وجيش التحرير. التحق بالوليدية بالملك محمد الخامس الذي كان يقضي بها عطلته الصيفية. في ذلك اللقاء، تم ترسيم إحياء ذكرى ثورة الملك والشعب يوم 20 غشت من كل سنة. في نفس الذكرى سنة 1956 وشح اليوسفي صدر الأميرة لالة عائشة بوسام عبارة عن قنبلة صغيرة صيغت من الذهب.

في السنوات الأولى من الاستقلال تريث اليوسفي في تحركاته وأنشطته. لم يكن راضيا عما يجري داخل الحزب. بعد سنة عن انضمام المغرب في أواخر 1957 إلى مجموعة دول عدم الانحياز، اجتمع اليوسفي ببعض رجال جبهة التحرير الوطنية الجزائرية. تم الحديث عن مؤتمر الأحزاب الثلاث ومستقبل أقطار المغرب العربي في مواجهة التحديات. تقوى التواصل بين عبد الرحمان وقادة حزب الدستور بتونس وجبهة التحرير الجزائرية. الرهانات المستقبلية كانت مرتبطة أيضا بإحداث ما سمي في البداية بالسوق الأوربية المشتركة، والذي تحول إلى اتحاد أوروبي. كان حاضرا بقوة في النقاشات المغاربية. اختطفت الطائرة التي كانت تقل زعماء الجزائر وعلى رأسهم بن بلة. تم إقرار محاكمة القادة الجزائريين. نصب عبد الرحمان نفسه محاميا يدافع عن أحمد بن بلة ورفاقه. السلطة التقديرية لليوسفي جعلته يعطي اهتماما بالغا للثورة الجزائرية. ساير النقاش والجدل الذي صاحب تنصيب حكومة الحاج أحمد بلافريج. تابع بامتعاض استفحال الأزمة بين صفوف الاستقلاليين. التزم الصمت والحياد وكأنه قطع الصلة بحزب الاستقلال منذ 1956. تابع كذلك ما روجته صحافة الاتحاد المغربي للشغل وما كان يردده عبد الله إبراهيم. هذا الأخير لم يشارك في الحكومة الجديدة وتفرغ لمعارضتها. اشتدت الانتقادات وسقطت حكومة بلافريج قبل سنة من تعيينها بعدما قدم عبد الرحيم بوعبيد استقالته منها.

في سنة 1958 تشكلت حكومة عبد الله إبراهيم. امتنع عبد الرحمان اليوسفي أن يتولى فيها حقيبة وزارة العدل. سقوط حكومة بلافريج وتنصيب حكومة عبد الله إبراهيم كان لهما أثر جد سلبي على وحدة حزب الاستقلال. كهذا تم إعلان تأسيس حركة 25 يناير سنة 1959. إنه الحدث الذي جعل اليوسفي يعود بقوة إلى الحياة السياسية المغربية. قائد الحركة الجديدة البارز كان هو المهدي بن بركة. كان كل من البصري وعبد الرحمان لا يدخران أي جهد للتذكير بالحاجة إلى قيادة جماعية للحزب الجديد. أصدرا في 2 أبريل 1959 جريدة التحرير، الأول سينصب مديرا لها والثاني رئيسا لتحريرها.

استعانا بطاقتين فكريتين بارزتين محمد باهي ومحمد عابد الجابري. أسست بعد ذلك الجامعات المستقلة المتحدة لحزب الاستقلال نعتت بالجناح اليساري في الحزب. في 6 شتنبر 1959 تم الإعلان رسميا عن تنظيم المؤتمر التأسيسي لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الجديد. إنه الحل الذي واجه به اليساريون في حزب الاستقلال الدعوة القضائية التي رفعها ضدهم علال الفاسي والحاج أحمد بلا فريج في شأن الأحقية من عدمها في تأسيس الجامعات المتحدة المستقلة داخل حزب الاستقلال. الأمر اللافت في هذا التأسيس كان رفعه لشعار “لا حزبية بعد اليوم”، وهو نفس الشعار الذي رفعه زعماء ثورة الضباط الأحرار في مصر وعلى رأسهم جمال عبد الناصر. حضر بن بركة احتفالات الذكرى العاشرة لتأسيس الجمهورية الشعبية الصينية. تفاعلت الجريدة مع الحدث بنشر استجواب مع السفير الصيني. وجدت الجريدة نفسها في خضم الحرب الباردة ما بين الشرق والغرب. امتعض اليوسفي من هذه المبادرة الإعلامية التي قام بها عبد اللطيف جبرو. اعتبرها مبادرة غير مسؤولة.

توافد المناضلون على حركة 25 يناير. تم طرد بن بركة من حزب الاستقلال. أحس علال أن حزبه يضعف. قرر إحكام قبضته على حزبه بتكثيف وجوده إعلاميا وتنظيميا. تخلص من بلافريج في أول مؤتمر بعد ظهور الحركة الجديدة التي نعتها علال بالانفصالية. وضعية الحزب الجديدة ستجعل قيادته أكثر استعدادا للتقرب من الدولة. ساند الحزب وإعلامه القوى المعارضة لحكومة عبد الله إبراهيم. التحقت جريدة الحزب “العلم” بالحرب التي تشنها جريدة “ليفار” التي يترأسها أحمد رضا اكديرة على حكومة عبد الله إبراهيم. كانت الانتقادات تخص التوجهات الاقتصادية والمالية التي يشرف على بلورتها وتنفيذها عبد الرحيم بوعبيد ويدعمها الملك محمد الخامس طامحا من ورائها تحقيق أفق استقلال المغرب اقتصاديا عن فرنسا.

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فطنة اليوسفي ونباهته وصدقه وبساطته وتواضعه ورصيده المعرفي بوأه رئاسة جريدة “التحرير” بالدار البيضاء في عهد رجل الأمن المعروف محمد الغزاوي رئيس المديرية العامة للأمن الوطني الذي يراقب كل صغيرة وكبيرة. ساند اليوسفي عن طريق الجريدة حكومة “عبد الله إبراهيم” وبرنامجها السياسي. كان دائم الاتصال مع عبد الرحيم بوعبيد المشرف على البرامج الاقتصادية وكنائب لرئيس الحكومة. بقوته كوزير للداخلية، كان أوفقير يتضايق من الحكومة والخط التحريري الذي يقوده اليوسفي. تم تأسيس الدرهم المغربي كعملة وطنية، وبنك المغرب كمؤسسة لإصدارها، وبنك التجارة الخارجية، وبنك التنمية الاقتصادية، وصندوق الضمان الاجتماعي، وصندوق الإيداع والتدبير، وغير ذلك من المؤسسات التي تضمن للمغرب استقلاله المالي والاقتصادي.

في نهاية 1959 تم حضر صدور الجريدة وحجزها، وألقي القبض على مديرها محمد البصري ورئيس تحريرها عبد الرحمان اليوسفي، وتوالى توجيه التهم للقياديين ومن معهم، منها القذف في السدة العالية بالله، ومحاولات اغتيال ولي العهد الأمير الحسن الثاني،والتآمر على سلامة الدولة ومؤسساتها الوطنية والإخلال بالأمن العام. كانت ردة الفعل قوية روجت لها أسبوعية “ليفار” التي لم يدخر مديرها أحمد رضا اكديرة أي جهد للوصول إلى اتخاذ قرار إعفاء حكومة عبد الله إبراهيم بالسرعة المطلوبة. دام الصراع على أشده بعد إطلاق سراح اليوسفي والبصري وأقيلت الحكومة في شهر ماس 1960.

في يوليوز 1963 اعتقل اليوسفي مجددا بتهمة تسليح السكان وخلق منظمات سرية (منظمة شيخ العرب) خارج العمل السياسي. حكم عليه بسنتين مؤجلة التنفيذ بسبب التستر وعدم التبليغ.

تم تغيير اسم الجريدة من “التحرير” إلى “الرأي العام”. التحق المسؤولان عن هذه الأخيرة، أحمد بن سودة ورفيقه عبد الهادي بوطالب، إلى صفوف الاتحاد. غادر بن بركة المغرب في يوم 21 يناير 1960. غادر البصري السجن بعفو من الملك محمد الخامس في يونيو 1960. بقي اليوسفي خارج الوطن إلى أن أطلق سراح رفاقه المقاومين. غياب عبد الرحمان وبن بركة والبصري في السحن سبب في حدوث فراغ سياسي في البلاد. لولا عبد الهادي بوطالب الذي اتخذ مبادرة سد الفراغ الإعلامي لوئدت حكومة عبد الله إبراهيم مبكرا. حال دون إقالتها زلزال أكادير المدمر. اشتدت الانتقادات وتقوى التحالف بين علال الفاسي وأحمد رضا اكديرة إلى أن اتخذ الملك محمد الخامس قرار حل الحكومة. أصبح الملك رئيسا لحكومة جديدة ويساعده ولي العهد في تدبير شؤونها. غادرها الاتحاديون وحل محلهم الاستقلاليون. غادر عبد الله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد المغرب للاستراحة. نظم عبد الرحمان اليوسفي اجتماعا حزبيا تحدث فيه عبد الهادي بوطالب بلهجة معارضة مفصلا مطالب القوات الشعبية قائلا “نحن لا نريد دستورا ممنوحا لأن الدستور ما هو إلا حق طبيعي لكل الشعوب”. غادر بوطالب وبن سودة سفينة الاتحاد وخزن اليوسفي لهذا الطلاق غير المفهوم. عبد الهادي بوطالب هو من اعتبر إقالة حكومة عبد الله إبراهيم مرتبطة برفضه الموافقة على أن يقوم ضابط أمريكي بدور مستشار فني في القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.

إقرأ أيضا :  المجتمع المدني والتشريع الجنائي

رمزية دفن جثمان عبد الرحمان اليوسفي إلى جانب رفيقه المرحوم عبد الله إبراهيم

بنفس المنطق جيوب المقاومة تقف معرقلة لعمل الحكومتين الإصلاحيتين، حكومة عبد الله إبراهيم سنة 1960 وحكومة عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998-2002. التكتلات الحزبية المناوئة المتحالفة مع طاقات إعلامية تم إحداثها كانتا سلاح عرقلة الاستمرارية في تحقيق التراكمات وترسيخ المكتسبات. الكل يتذكر الأسباب التي كانت وراء رفض عبد الرحمان منصب وزير العدل في حكومة عبد الله إبراهيم. الحاج امحمد باحنيني تولى المنصب ونال رضا الصف الديمقراطي في قضية المقاومين. تم إطلاق سراحهم، وعاد عبد الرحمان إلى أرض الوطن في يونيو 1960 قادما من سويسرا التي قضى بها فترة نقاهة. في شهر ماي 1960، صدر بلاغ ملكي أنهى مهام حكومة عبد الله إبراهيم. طلب من المغفور له الملك محمد الخامس وولي العهد الحسن الثاني آنذاك البقاء بعيدا عن السلطة التنفيذية، لكن في ماي 1963 تم تنصيب حكومة جديدة برئاسة الملك وولي عهده. طلب من عبد الرحيم بوعبيد المشاركة فيها والاستمرار في تنفيذ أوراش الحكومة السابقة، لكنه اعتذر معلنا بالمناسبة للرأي العام أن بعض السياسيين يحلمون بتثبيت نظام غير ديمقراطي. وأضاف، الشعوب لا يمكن لها أن تتعلم الديمقراطية إلا بترسيخ قيمها فيما بينهم بالممارسة والتمثيلية الحقيقية.

ابتداء من أكتوبر 1960، سيتولى عبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم مهام المعارضة الحزبية للحكومة القائمة. نظموا جولات لشرح السياسة التي كانا يدافعان عنها في السابق خاصة قضية جلاء الجيوش الأجنبية وعدم حاجة الجيش المغربي لمستشارين فنيين أجانب خاصة استمرار وجود قواعد عسكرية فرنسية. انسحب الشوريون ولم يؤثروا عن قوة حزب الاتحاد. كثر النزول إلى الشوارع مؤيدا فكرة طرد الجيوش الأجنبية ومستشاريهم ودعم ومساندة الثورة الجزائرية. تراجع عبد الله إبراهيم وقلل بالتدريج من أنشطته، بينما أصر عبد الرحيم بوعبيد على تكثيفها وتقدم التظاهرات في الشارع العام، بينما ظل اليوسفي منشغلا بقضايا المغرب الحيوية وبقضايا الجزائر وإخلاء سبيل قادة الطائرة المخطوفة واستقلال الدول المغاربية المتبقية.

ابتداء من سنة 1962 ستتوتر العلاقات داخل الحزب. اشتد الصراع بين القياديين النقابيين المحجوب بن الصديق وعمر بن جلول. لقد شكك هذا الأخير في إخلاص المحجوب للخط النضالي للحزب في توقيت كان فيه الاتحاد المغربي للشغل رياديا بأدواره في حركة 25 يناير. أصبح عمر مستهدفا من طرف الشرطة ونقابيي بن الصديق. خضع للاعتقال والتعذيب والمحن. انفجر في صيف 1962 مقر طبع جريدة التحرير التابع للإتحاد المغربي للشغل. تم اتهام القادة الجزائريين المناوئين لبن بلة وتم اعتقال الجزائري الذي يشتغل كأجير بالمطبعة. تم تحميل عبد الرحمان اليوسفي مسؤولية الانفجار نظرا لعلاقته الوطيدة مع بن بلة وتوجيه الخط التحريري للجريدة لموالاته ودعمه.

عاد بن بركة لحضور المؤتمر الوطني الثاني على أساس توافق ما بين القيادات الحزبية والنقابية. اشتدت المراقبة البوليسية على منزله وتحركاته وكاد أن يغتال في حادثة سير بعدما صدمته سيارة الشرطة التي تراقبه ليل نهار. تدخل اليوسفي لتلطيف الأجواء بين عمر والمحجوب. دعا هذا الأخير لوجبة عشاء بعين الدياب بالبيضاء وتم توافق بينهما، لكن بن الصديق لم يف بوعده. منع عمر من الدخول للمؤتمر. اعتقل في مقرات النقابة وعذب من طرف الموالين للقيادة النقابية. اتهم اليوسفي أفقير كونه وراء ما يقع بين القيادات الحزبية والنقابية من صراعات وعداء ولما تعرض له بن بركة. انتهت سنة 1962 بمشاكلها العويصة ومحنها المنهكة، وتم استقبال سنة 1963 بخروج حزب الاستقلال من الحكومة وعقد المؤتمر الثالث للإتحاد المغربي للشغل. التقى الاتحاديون والاستقلاليون مجددا في المعارضة. إنه الخروج الذي أغضب كل من الدويري وعلال الفاسي وامحمد بوستة. تم التصريح من طرف علال برفض إملاءات اكديرة، فانفض بذلك التحالف ضد القوات الشعبية الذي جمع لمدة ثلاث سنوات رضا اكديرة بالاستقلاليين.

انشغل اليوسفي بهذه الوضعية الجديدة وحاجة البلاد إلى دور مشترك لمواجهة أوضاع ما بعد رحيل أب الأمة. التقى عبد الرحمان مع علال للتفاهم بين الحزبين بالرغم من كون جروح 1959 لم تندمل بعد. الهجومات على حكومة عبد الله إبراهيم كانت قاسية. دفاع علال الفاسي على الدستور الممنوح بقي منحوتا في ذاكرة القيادات الاتحادية. عدم التفاهم التام وعدم اعتماد المرشح المشترك في الدوائر الانتخابية فوت الفرصة على الحزبين للحصول على الأغلبية في أول انتخابات بالبلاد. ترشح اليوسفي في طنجة فخسر، بينما فاز بدائرته صديقه الدكتور عبد اللطيف بن جلون. كان الصراع حادا بين الفديك والمعارضة المتمثلة في الإتحاد والاستقلال.

أفقير كان يراقب كل صغيرة وكبيرة بالبلاد بصفته المدير العام للأمن الوطني. كان هدفه إفشال كل تقارب بين القصر الملكي والإتحاد. هاجم الاتحاديين وهم مجتمعون في مجلسهم الوطني. فلولا حضور الصحافة الوطنية والدولية للفق لهم تهمة التآمر على النظام. اعتقل كل القادة. أطلق سراح عبد الرحيم بوعبيد، ثم التحق به اليوسفي بعد ذلك للمشاركة في المفاوضات مع الحسن الثاني في شأن تشكيل حكومة تناوب مبكرة سنة 1965. اختطف بن بركة في 29 أكتوبر من نفس السنة، وأجهضت المشاورات من جديد بسبب أفقير.

تعب عبد الرحيم بوعبيد بسبب كثرة انشغالاته وأنشطته، فخلفه اليوسفي مؤقتا مانحا له فترة راحة لاستجماع قوته. اهتم بالفريق البرلماني واعتبره القوة الضاربة للحزب. نسق بشكل متواصل مع رئيس الفريق عبد اللطيف بن جلون والدكتور الحبابي وعبد الواحد الراضي وعباس القباج ومحمد التبر. كانت سنة 1964 حافلة باجتماعات اليوسفي مع البرلمانيين. تم اقتراح طرح ملتمس الرقابة ضد حكومة باحنيني وتم اعتبار ذلك مؤامرة اتحادية ضد النظام بعد فشلهم في حدث 1963. اشتد النقاش العمومي والشعبي في شأن هذا المطلب. عاد عبد الرحيم بوعبيد من فرنسا في أكتوبر 1964 وأعطى للحملة الشعبية في هذا الموضوع زخما كبيرا.

الأحداث التي عرفتها الجزائر سنة 1965 ستجعل اليوسفي ينشغل من جديد بمصير رفاقه هناك. دافع على صديقه الحميم الحسين آيت أحمد في محنة اعتقاله. أخذ مجموعة من الأساتذة المحامين المغاربة ونصب الفريق في الدفاع على الحسين. حكم على هذا الأخير كأحد أبطال الثورة الجزائرية ببرودة دم بالإعدام. سارع اليوسفي الزمن، والتحق برئيس الجمهورية أحمد بن بلة. لم يفارقه إلى أن تم الإعلان رسميا عبر التلفزيون الجزائري عن إصدار عفو رئاسي يلغي حكم الإعدام. في بداية استقلال الجزائر، عمل اليوسفي كل ما بجهده لترسيخ الحاجة إلى اعتبار المغرب والجزائر ينتظرهما مصير مشترك. أزيح بن بلة من الرئاسة على إثر انقلاب قاده هواري بومدين. اعتقل بن بلة خمسة عشرة سنة في سجن سري إلى أن توفي بومدين.

توترت الأوضاع مغربيا. تعب عبد الرحمان من عنف المضايقات. غادر المغرب وبقي بفرنسا من 1965 إلى 1980. اشتد القمع الذي يمارسه أوفقير الذي نجح في تفريق إرادتي الملكية والإتحاد في التعاون في بناء دولة ديمقراطية. كان التأثير الفرنسي في توالي الأحداث واضحا. تدخل أفقير بالحديد والنار لإفشال احتجاجات الدار البيضاء ضد قرار وزارة التعليم. هكذا دخل المغرب عهدا مظلما يتحكم فيه أفقير. حرم الإتحاد من مزاولة أي نشاط سياسي أو إعلامي. منع الحديث عن قضية المهدي بن بركة. وكثرت الاعتقالات في صفوف الاتحاديين.

اليوسفي والأمل في بناء مغرب ديمقراطي

فقد المغاربة زعيمهم الملك محمد الخامس رحمه الله يوم 26 فبراير 1961 وتولى الملك بعده الحسن الثاني يوم 3 مارس من نفس السنة. تم استقال الوفد الاتحادي ورفعت المذكرة في موضوع الإصلاحات الدستورية والسياسية إلى القصر الملكي وقعها عبد الرحمان اليوسفي باسم حزبه فسلمها من يده ليد المدير العام للديوان الملكي أحمد رضا اكديرة. تم نشرها بعد عشرة أيام بجريدة التحرير لتعميم الفائدة لدى الرأي العام. الترتيبات الزمنية خلال الثلاث أشهر الأولى لسنة 1961 كانت هامة للغاية. توفي الملك يوم 26 فبراير، وخلفه ولي العهد يوم 3 مارس الذي استقبل بنفسه الوفد الاتحادي يوم 8 مارس، ورفعت المذكرة يوم 13 مارس، ليتم نشرها إعلاميا بعدما صرح الملك الحسن الثاني للإعلام البلجيكي التلفزيوني أنه لا يعرف بالضبط ماذا تريد المعارضة.

أهم مقررات الهيئات المسؤولة في الحزب كانت تعبر في مجملها عن إرادة الاتحاديين في خدمة الصالح العام بفعالية من خلال مؤسسات تمثيلية ديمقراطية في إطار نظام ملكي دستوري يضمن مشاركة الشعب في الحكم ومراقبة أعمال الحكومة وكل المؤسسات التمثيلية في مختلف الوحدات الترابية.

أعطي الانطباع أمام هذا التفاعل الإيجابي أنه هناك تقابل لسلطتين تقديريتين. الأولى تطمح في تجاوز آفة التخلف والجهل أولا من خلال بلورة وقيادة مشاريع مسار تنموي تقوده دولة قوية (نظام رئاسي). والثانية، ترى أن الوضع المغربي مغاير لأوضاع مجموعة من الدول الجمهورية التي اختارت الخيار الأول، وتعتبر تحدي ترسيخ الديمقراطية لا يمكن تحقيقه إلا بتمكين الشعب المغربي من ممارستها في تدبير الشأن العام.

إقرأ أيضا :  بوصوف: الملك محمد السادس يتكلم بالأرقام والإنجازات عن الأقاليم الجنوبية

بذلك، طالب الاتحاد بمجلس تأسيسي منتخب كتعبير عن تجاوب حقيقي بين الملك وشعبه في أفق تحويل هذا الأخير إلى مقرر في كل المجالات الحيوية بالبلاد من خلال مؤسسات تمثيلية تتحمل المسؤولية كاملة أمام الملك والرأي العام. لقد كانت المذكرة واضحة في شأن استمرار النظام الملكي ومسألة ممارسة الحكم المباشر من طرف الملك. الثقة التي تجسدت بقوة في إطار ثورة الملك والشعب ومقاومة الاستعمار يجب أن تترعرع زمنيا بوثيرة سريعة. سلطة الشعب يمارسها عبر الانتخابات النزيهة التي تتوج بانبثاق مؤسسات ديمقراطية حرة تمكن النخب الوطنية الترابية فرص خدمة البلاد وضمان ديمومة تنميتها واستقرارها.

إفشال أفقير بأطماعه المبطنة لكل محاولات التقارب بين الاتحاد والعرش

واليوسفي في المنفى، لم يسمح لنفسه بالارتكان في مواقع خارج مجريات السياسة في بلده وفي الجزائر وفي العالم العربي خاصة ما يتلق بفلسطين. لقد ساهم عربيا في تقوية الجبهة العربية للدفاع عن حقوق الإنسان. التحق بجونيف وتابع مداولات الهيئة الفرعية للأمم المتحدة المختصة بقضايا حقوق الإنسان. التزم بواجبه كمحام ورافع في محكمة سويسرية على الفدائيين الفلسطينيين الذين اتهموا بالقيام بعملية فدائية ضد طائرة إسرائيلية في مطار سويسري. نقل دفاعاته على شاشة قناة التلفزة المغربية. أحدثت هذه التغطية ضجيجا كبيرا ذهب ضحيته العربي الصقلي، وهو ابن أخت عبد اللطيف بن جلون. استبعد من منصبه كمسؤول عن قسم الأخبار. استمر اليوسفي في أنشطته العربية متنقلا بين فرنسا وسويسرا من جهة، وبين بعض الدول العربية كمصر وسوريا والعراق. استمر في تتبع الأحداث مغربيا وكان يتألم عندما يتم إخباره بالإنزلاقات السياسية غير المبررة.

اليوسفي يحدث انفتاحا وانفراجا توج بنجاح المؤتمر الاستثنائي

حكمة الرجل الدائمة وكفاءته الفكرية والسياسية جعلت الدولة المغربية تعتبر سنة 1964 أن حزب القوات الشعبية مشخصا في عبد الرحمان اليوسفي يؤمن بصلاحية النضال الديمقراطي. في نفس الوقت تم اعتبار الحزب مشخصا في الفقيه البصري وعمر بن جلون معارضا يراهن أكثر على العنف من خلال تنظيمات سرية لبلوغ أهدافه السياسية. في منتصف 1966 غادر البصري المغرب باحثا عن فرص القضاء على نظام الحكم. تم تنظيم عمليات مسلحة سنة 1973. اعتقل العديد من المقربين من البصري وعلى رأسهم عمر بن جلون. رغم الحكم بالبراءة على المعتقلين، تم نقل عمر واليازغي والقرشاوي والحلوي وكرم إلى معتقل سري، ولم يطلق سراحهم إلا في منتصف 1974. في تلك السنة المحورية، كان المغرب يستعد للتعبئة الشاملة لاسترجاع الأقاليم الجنوبية. وقع نوع من الانفراج داخل البلاد. اشتد الصراع داخل الحزب. توالي المحن جعل عمر بن جلون يعبئ المناضلين بعدم تنفيذ قرارات القيادات بالخارج.

الحزب بالنسبة لبن جلون يجب أن يتم تسييره من طرق قيادة بالداخل تراهن على النضال الديمقراطي. المناضلون تعبوا من أداء الثمن الباهظ لقرارات ارتجالية مملاة من الخارج. تمت مباركة اليوسفي نظرا لنضجه وتبصره العاليين وكلف بإخراج الإتحاد من المنطقة الرمادية المتميزة بالخلط والغموض.

هكذا في 15 شتنبر 1975، تم تغيير اسم الحزب من الإتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ترتب عن هذا القرار تنظيم المؤتمر الاستثنائي أيام 10 و11 و12 يناير 1975 الذي أوضح من خلاله الاتحاديون خطهم النضالي واعتمادهم على قرارات قيادات داخل التراب الوطني. اتخذ قرار النضال الديمقراطي، وتم تهميش رسالة البصري التي تطرق فيها لتصوره للوضعية السياسية بالمغرب، وكيف يجب أن يتعامل معها الحزب.

المؤتمر الاستثنائي كان بمثابة إعلان القطيعة بين البصري واليوسفي. هذا الأخير كان من أكبر الأقرباء لرفيقه في درب المقاومة في إطار ثورة الملك والشعب والنضال بعد استقلال البلاد. لم يمل ولم يكل اليوسفي في السابق في الدفاع عن البصري، لكن السلط التقديرية والتصورات الشخصية وضعت حد للتواصل بين القيادتين. المؤتمرون رفضوا قراءة رسالة البصري وأنصتوا بإمعان واهتمام كبيرين للرسالة الصوتية التي بعثها اليوسفي من منفاه. لقد عبر عمر بن جلون عن ملله وكلله من المواقف الاندفاعية العاطفية والشعارات الحماسية، ودعا الالتزام بالمسؤولية التاريخية لضمان استمرار حركة التحرير الشعبية ببلادنا، وبعث الروح في الاتحاد من جديد.

عكس رسالة البصري التي جاء فيها: “قدموا استقالتكم أنتم ودعوا النظام يواجه المجهول واجعلوه يبحث عنكم بشروطكم”،هنأ اليوسفي المؤتمرين معتبرا المؤتمر فوزا تاريخيا عظيما، وطلب منهم تقديم التحية لعبد الرحيم بوعبيد نظرا لما عاناه داخل المغرب وخارجه، ولما عبر عنه من حنكة وحكمة في قيادة الاتحاد وسط العواصف العاتية والزوابع العنيفة. انتخب عبد الرحيم كاتبا أولا للإتحاد وحسم التباعد بين اليوسفي والبصري بشكل نهائي.

اليوسفي والتعبئة من أجل نصرة القضية الوطنية

تحرك اليوسفي من منفاه دفاعا على مغربية الصحراء.اعتبرها القضية الوطنية الأولى لدى مختلف المنظمات العربية والدولية. دافع باستماتة على حق المغرب في صحرائه وفي استكمال وحدته الترابية. التقى اليوسفي أستاذه الإسباني الذي أصبح عضوا هيئة المحكمة الدولية بلاهاي. اقترح بعد ذلك عبد الرحيم مطالبة محكمة العدل الدولية بأن تقوم بدور التحكيم في النزاع المفتعل. توجه اليوسفي إلى لاهاي وتابع جلسات محكمة العدل الدولية والتحق به في هولندا الشهيد عمر بن جلون. تابع اليوسفي الدفاع على الصحراء كل حياته. كثف من حدة مرافعاته المقنعة عندما تحمل مسؤولية قيادة الحكومة سنة 1998. سحبت مجموعة من الدول اعترافها بالجمهورية الصحراوية الوهمية وعلى رأسها الهند.

اليوسفي كاتب أول لحزب القوات الشعبية

تم توديع الروح النقية الصافية لعبد الرحيم بوعبيد يوم 8 يناير 1992. احتفي بجنازته بموكب جماهيري غير مألوف يليق برصيده النضالي وشخصيته الفذة. كان الشعار المدوي في موكب جنازته “عبد الرحيم ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح”. خاطب اليوسفي جثمان رفيقه بكلمات صادقة ووازنة. اعتبر فقدانه فاجعة كبرى صعبة التحمل، وخسارة لا تعوض بالنسبة لحزب القوات الشعبية. إنه في نظر اليوسفي من رواد زعامات المغرب المستقل. ثمار جهاده الأكبر واضحة. لقد شيد ركائز العمل السياسي الجاد طيلة ثلاثين سنة. بحصيلة انجازات ونضالات مدرسة عبد الرحيم، يقول عبد الرحمان، ساعة قيام الديمقراطية آتية لا ريب فيها. أنهى كلمة تأبينه بالقول:” قسما يا أخي عبد الرحيم بوعبيد إننا لجهادك لمواصلون وبما ضحيت من أجله لمتشبثون ولتراثك النضالي لحافظون”.

رحيل زعيم الإجماع الوطني

غادر الزعيم الاستثنائي عبد الرحمان اليوسفي الحياة في ظرفية استثنائية فرضت على المغاربة الجهاد من أجل الوجود لمحاربة انتشار وباء فيروس كورونا. وصفه فتح الله ولعلو بكونه مجاهد من أكبر المجاهدين وطنيا وعربيا وكونيا. مدرسته الأولى كانت ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي. الحكمة جعلته من رواد الحكمة النضالية طوال حياته. ربط النضال الديمقراطي بالكرامة وقضايا حقوق الإنسان والتنمية الترابية. إنه كتبه الثلاث تحت عنوان “عبد الرحمان اليوسفي: أحاديث في ما جرى، شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقة” تعتبر اليوم مرجعا ثريا وموجها نموذجيا لشباب العالمين التقدمي والوطني. لقد تفوق في ربط مواقف وتصورات حزبه التاريخية بالعمل التنفيذي. عاش متناغما بأفكار وأفعال وبرامج في مرحلتي النضال والمرحلة التاريخية التي أنعش فيها قلب البلاد المتعب وهو وزير أول لفترة انتدابية تاريخية جسدت مسؤولية الحكومة أمام البرلمان بشكل واضح. ترك البصمة الكبرى والنموذج المبهر في تعاطيه مع الشأن العام المغربي.

خاتمة

والفرحة العارمة تتلألأ اليوم داخل نفوس المغاربة والعرب تفاعلا مع زعامة رياضية من نوع خاص، أزف للقارئ بشرى قرب صدور كتابي تحت عنوان “عبد الرحمان اليوسفي: زعيم إجماع وطني بحجم أمة”. سأخصص الكتاب لتسليط الضوء على حكمة الرجل وهو يقاوم طوال حياته بكل ما لديه من قوة أولا من أجل استقلال البلاد وثانيا للرفع من قيمة حصيلة الجهاز التنفيذي الذي ترأسه خلال فترة 1998-2002.

قررت إصدار هذا الكتاب في هذا التوقيت الزاهي والماتع بأحداثه ومجرياته. انتصر الفريق الوطني على أعرق الفرق العالمية (بلجيكا وكندا وإسبانيا) وتأهل لدور الربع في تظاهرة كأس العالم نونبر- دجنبر 2022. انفجر حب الوطن في نفس كل مواطن. خرج المغاربة إلى الشارع مفتخرين بانتمائهم. تخلصت الأمة ومؤسساتها بحكمة وتبصر من جيوب المقاومة. ترسخ في الأذهان المعنى الجديد لثورة الملك والشعب. لم يعد بيننا رجلا أمنيا متسلطا أو عميلا لقوى خارجية. مواقف الدولة في العلاقات الدولية جريئة ارتقت لتكون مواقف وطن وأمة. فندت مصادر الشرعية السياسية التي كان يتمتع ويتباهى بها رواد القبيلة والعقيدة. تجبر ظرفيا رواد الابتزاز المطالبين بالنصيب من خيرات البلاد، ومنهم من حقق ذلك وابتعد، ومنهم من تنتظره المحاسبة التاريخية. نحن اليوم أمام دولة قوية بمؤسساتها وشعبها تقود معركة ضارية ضد رواد الفساد والغنيمة والابتزاز طامحة تمكين الشعب المغربي الوفي من تذوق ملذات الديمقراطية من طنجة إلى لكويرة (حرية، تعليم، صحة، تشغيل، سكن، …).

#فرحة #شعب #بحجم #وطن

زر الذهاب إلى الأعلى