فضاء أنوار بأرق الموت

قراءة في القصة القصيرة “الظمأ” لعلي القاسمي

الفنان التشكيلي العراقي خالد الجادر توفي بالمستشفى العسكري بالرياض على إثر إجراء عملية جراحية حساسة على القلب. مكانته الفكرية والفنية جعلته يتحول إلى أيقونة عصره عراقيا وعربيا وكونيا. ربطته صداقة وأخوة قوية مع الدكتور علي القاسمي. ولذلك، فقد حرص هذا الأخير على إهداء روحه الطيبة قصتين غاية في الروعة “القارب” و”الظمأ”. النصان مزجا الواقع والخيال والفنون الراقية، وتحولتا إلى وجبة معرفية دسمة دائمة الصلاحية ولا تنضب، تغذت وتتغذى وستتغذى بها الأجيال المتعاقبة في العراق والعالم العربي وفي العالم بأسره. ففي النصّ الأوّل: “القارب”، مات الرسّام خالد مغتربا في شقّة الراوي الذي شيع جثمانه في البلاد ذات البحر (المغرب التي استقر به الفنان بمعية القاسمي لمدة طويلة). أمّا في النصّ الثاني “الظمأ” فإن الرسّام مات في شقّته، وتولى السارد، وهو يحكى بضمير الغائب، إرسال جثمانه إلى وطنه الأصلي ليحتضن تراب أمته الحضارية. في القصتين إذن هناك تقابل فَتَّان لحقيقتين، الأولى واقعية والثانية إبداعية. إنهما نصان راقيان بكل ما تحمل الكلمة من معنى ربطا الصور الخيالية المحبوكة بمرجعيات واقعية قوية في مدلولها وتأثيرها.

حياة الفنان الفكرية والفنية تزخر بها المواقع الإلكترونية والشبكات الاجتماعية. ولد الجادر في بغداد سنة 1924. مثله مثل القاسمي، أحب المغرب حبا لا مثيل له. أكثر ما ياستهويه في المملكة المغربية هو رسم حركة الناس في الأسواق والقيصريات والأبنية والأزقة الضيقة القديمة التي تشير إلى ماض عريق ما يزال يحمل ملامح الحضارة الأندلسية. وقد تمكن الجادر في نهاية عام 1983 من رسم ما يقارب 500 لوحة تمثل مختلف جوانب الحياة المغربية. وتعتبر مجموعة أعماله الفنية، التي أنجزها في المغرب وعرضها في الرباط ومراكش، من أهم إبداعاته من حيث تميزها والتركيز فيها على القيمة التشكيلية من منطلق وظيفتها التعبيرية.

أول ما يثير في هذا النص (الظمأ) هو عتبته. إنها عتبة صادمة بمدخل قوي وحي عبرت على تجربة وخبرة الكاتب وقيمة تراكماته الحياتية والاجتماعية والنفسية والثقافية : “سقطت سماعة الهاتف من يده قبل أن يسمع بقية كلام مخاطبه، وهب يهرول متعثرا في اتجاه الباب، مغالبا الدمع المنبجس في مآقيه، وهو في طريقه إلى شقة صديقه الرسام الكبير”.

عنوان القصة غير فاضح، ومتناسب مع فكرة النص ومتناغم بقوة مع سطوره، وأعطى لعباراته حياة عارمة منذ البداية، بحيث لم ينجل الغموض في اختيار كلمة “الظمأ” كعنوان إلا بعد عبور جل الفقرات بالقراءة المتمعنة إلى نقطة النهاية. فبالوصول إلى السطرين الأخيرين الذين طرح فيهما سؤال “لماذا؟” وكرره مرتين، بعدما تحول الصديق إلى طيف روح ميتة انبعثت كموجات ضوء ربانية في الفقرة السابقة، يستنبط القارئ باعتزاز وروح مغتبطة كم أبدع القاسمي في اختيار عنوان قصته. إنه عنوان شكل لوحده لوحة مشاهد افتراضية فاتنة تخالج الروح، ليكتشف القارئ في الأخير أنها ضمنت لعبارات النص قوة حياة من أول كلمة إلى آخرها، ولم يقتل أي واحدة منها. حياة القصة ورونقها يتجلى في سردها السلس والمتدفق بأناقة، وفي لغتها الرشيقة والشجية، وفي وصفها الماتع والدقيق، وفي قدرة الكاتب العالية على نسخ الخيال بالواقع. استرسلت الأحداث بمنهجية عالمة ومنطق جذاب وبلاغة مضبوطة نافعة للنص لا زيادة فيها ولا مبالغة. قدم لنا عمقا قصصيا مغمورا بجمالية الفنون التشكيلية. هكذا، بعدما انتهى من تصويب حبكته السردية المزخرفة بألغاز كلماته البهيجة، وجد قارئها ومتأملها نفسه أمام لوحة ألغاز تتطلب الحنكة لفك أسرارها. وظف ببراعة زمن الماضي في السرد وخلله بالمضارعة للحديث عن مشاهد تذكار غير ثابتة في الزمان والمكان وزاخرة بالحب والإنسانية (لها نقطة بداية ولا نهاية لها). إجمالا، هي قصة ذات لغة سردية مميزة، نصها جميل بعباراته المدوية التي تنساب دون تكلف وبتتابع أحداثها صانعة ساعة فقدان مروعة.

صديق القاسمي الفنان الكبير الدكتور الرسام خالد الجادر كان مريضا، وبِعِلَّتِه عاش صراعا مريرا مع الموت. نصبه الكاتب واصطفاه باستحقاق صديقا للراوي بفعل علاقتهما الأخوية الراقية. قلبه لم يساير مجرى الحياة وتعب. شخصية خالد جعلته يتحمل عبء الأزمات القلبية مقنعا نفسه بقدر الفناء، لكنه دائم القلق بفعل الخوف من سطوة الموت على روحه قبل أن يتم رسالة وجوده التي اكتملت في ذهنه. كما سبق أن أشرت إلى ذلك أعلاه، هذه القصة، كما قصة “القارب”، هديتان من القاسمي إلى روحه الطاهرة. حُوِّل خالد إلى شخصية نصية ربطت ببلاغة لغوية الواقع مع الفن التشكيلي. تحولت القصة إلى تحفة نادرة تعبر عن نفسية فنان مغترب يداعب الموت كل يوم في لحظات أيام تغمرها غيوم الحزن والأسى. مضمونها حداثي صيغ بكيفية خلاقة وقدمت للقارئ سلسلة أحداث مشوقة. أمزج الواقع بالمتخيل لوصف موت صديق نابغة، استقر لمدة طويلة بمعية الكاتب قبل موته بالمغرب.

انطلق القاسمي من الواقع وحلق في سماوات الخيال، وفهمنا من اختلاف أرض دفن الجادر بين قصة القارب والظمأ كونها تعبيرا عن رفض مبدئي صريح لدفن جثامين المغتربين خارج تراب أوطانهم. نصه هذا حارق ومثير وجاذب. قدم لنا بناء رمزيا عن معالم الخبرة في السرد بأبعاده التخيلية وإمكانياته في مجالي الافتراض والتأويل. الإثارة تتجلى كون القصة تمتح باحترافية خلاقة من الواقع والخيال على السواء، ويمتاز منطق توالي أحداثها بالتروي والتريث والدقة والإحكام في اختيارها وسردها.

استعمل الكاتب في هذه القصّة “الظمأ” ضمير الغائب وشكّل بذلك تحوّلاً لافتا في كشف انفعالاته محققا بالموازاة أعمق تأثير لها في نفس المتلقّي. بمنهجيته هاته عبر القاسمي عن الضغوط التي يعاني منها باسم الفقيد مزيحا إياها إلى صدره بإتقان عمالقة الأدب. لقد اعترف بفنية الرواد عن ما يراوده من أحزان وانشغالات، وعرضها على القارئ بسلاسة وبلاغة لغوية ساحرة. لقد رفع من مستوى التناغم بين البنية اللغوية وصناعة تركيبة القصة والبنية الدلالية إلى أعلى المستويات. لقد وظف تقنيات وآليات حديثة، واستثمر في علم النفس، واختار شخصياته على أساس أوصاف تعطي في آخر المطاف صورة مادية ومعنوية كاملة لزوايا الشخصية القصصية وفضاء تحركاتها وانفعالاتها وقدرها. بوحدة موضوع زاهية، أمسك الكاتب بزمام القص منذ البداية محدثا بسحرية بالغة متعة أخاذة في تتبع توالي الأحداث. استخدم الوصف بأبهى تجلياته بمنطق خدمة تفاصيل الحدث المركزي بأمكنته وتطوراته الزمنية. أشرقت كلماته براقة عندما عبر عن تباين حالته النفسية بين لحظات الذهاب إلى المطار والعودة منه.

لم يُفصح عن سبب صدمته العاصفة بالمباشر، بل راح يتحدث عن لوحات الفقيد المُتراكمة، عاكسا “المناخ” الاكتئابي القاتم الذي خيّم عليه. وصفها بعبارات تقشعر لها النفوس: “بدت له جميعها داكنة الألوان، متكسّرة الخطوط، متبعجة المنظور، وتكتسي كلّها مسحة أسىً دفين في عصر ذلك اليوم الشتائي الغائم”. إنه يهيئ القارئ بوصفه هذا لينبئه بقيمة رحيل رسام من عمالقة الفنون التشكيلية عربيا.

وصل إلى مكان خروج الروح، فسرع من الأحداث غير مبال بالمحيط للتعبير عن أثر الموت على نفسيته ووجوده وتلهفه لنقل جثمان صديقه (منشغلا بهذا الهم الذي يعنيه هو أيضا) بسرعة فائقة إلى أرض الوطن. دخل غرفة الجلوس الخافتة الضوء الباهتة اللون، ولم يكترث بالفتاتين اللتين تنتحبان حول التابوت المُغطّى بقطعة قماش سوداء، ولم يعبأ بهما أو يوجه الكلام إليهما. وضع يده اليمنى على رأس التابوت، وأخذ يقرأ الفاتحة ويدعو للراقد داخله. ثم دلف مُسرعاً إلى غرفة النوم الوحيدة في الشقّة، ليلقى أخا الرسّام وهو مُستلقٍ على وجهه في سريره، وقد وضع كفَّيْه على عينيه، فبادره سائلاً: وماذا عن نقل الجثمان إلى الوطن؟ فأجابه: عليّ الانتظار يومين لعدم وجود طائرة هذا اليوم. بلى هناك رحلة مباشرة بعد ساعتين، وسأهاتف وكالة السفر … سآتي بسيارتي خلال خمس دقائق، وعليك إنزال النعش إلى هناك (انشغاله بهذا الأمر جعله يجمع المعلومات قبليا لتحقيق مراده).

انطلقت السيّارة كجوادٍ جامح على الطريق المُحاذي للبحر نحو المطار. بتسارع الأحداث يتضح بجلاء اللهفة الصادقة للراوي وتوتره النفسي وانشغاله الدائم بالموت ونقل الجثمان إلى الوطن والعودة في نهاية المطاف إلى الرحم الأم. وكأنه يسائل مصادر القرار الكونية والوطنية: لماذا تتجاهلون الألم الفظيع الذي تحدثه الغربة والنفي وتسمحون للموت للانقضاض على أرواح حيوات المهجرين وهم عزل في غربة منهكة؟ لقد برز القاسمي بذلك كرائد من الرواد الكبار في أدب المهجر. ألفاظه بلاغية وأسلوبه سلس ولغته بسيطة وطرحه للمطلوب غاية في الإبداع. بأفضاله وأفضال أمثاله، تحول هذا النوع من الأدب إلى فضاء ابتكار خلاق ومتميز بصدق التجارب والإحساسات الإنسانية.

إقرأ أيضا :  أحزاب المعارضة تنتقد "معالم مشروع مالية 2023" .. ترقيعات وتبريرات

السرعة في سياقة السيارة نحو المطار تعبر عن نفس شعور وانشغال الراوي. ينطلق بسيارته غير عابئ بالمخاطر في يوم عاصف ممطر مظلم يجعل السياقة خطيرة خصوصا إذا انقضت عليه أحلام اليقظة. تقريب وضعيته الوجدانية من القارئ جعلته كذلك يستعيد في الطريق جانباً من ذكرياته مع صديقه الراحل، وهما مزهوان بالطبيعة وبهجتها وتنوع نباتاتها وأزاهيرها ووديانها في سهولها وهضابها وجبالها. استحضر الطبيعة بفعل قوة تأثير وطن الانتماء الأم الذي يعتبره السارد والكاتب على السواء جنة أرضية لزرع الحماس والعمل على تقوية الوجود والاعتراف به. إنه يرى العمل في الوطن ومن خلال الوطن هو من مقومات الاستعداد بكرامة لميتة النوابغ. حبه للطبيعةُ نابع من اعتبارها الأمُّ المزهوة بغطائها النباتي ومجاري مياهها النهرية والبحرية وبحضانتها القديرة لكل أشكال المخلوقات بقيادة الإنسان الذي كلف ربانيا بأمانة الاستخلاف فيها (أمانة الإعمار وضمان سعادة الحياة ورفاهيتها والحفاظ على البيئة بطقسها ومياهها وإمكانياتها الطبيعية).

قلق الراوي جعله ينزعج من نحيب الفتاتين المتقطّع في المقعد الخلفي للسيارة بالرغم من كون سلوكهن طبيعي ومتوقع لأنهما يعيشان أحزان الفقدان المروع. اضطرب بفعل هذا النحيب الذي اعتبره يؤثر في تركيزه على السياقة. وضعه النفسي جعله لا يعير الاهتمام المطلوب لتقييم المخاطر. السرحان الطويل أخطر من نحيب الفتاتين. شغله الشاغل المعشش في وجدانه منذ تاريخ بداية تغريبه بالمغرب هو التخطيط المسبق لتشييع جثمانه في وطنه والاطمئنان على سرعة إكمال مهمّة الترحيل والدفن. عينه على الثابوت إلى أن اجتاز حاجز إجراءات المغادرة وابتلعته بطن الطائرة. ساق سيارته متوترا والتحق بالمطار بسلام. قطع هذه المسافة الطويلة بالمغرب ببنيته التحتية الآمنة (طرقات وطنية، ومطارات، وموانئ ….)، وناسه الطيبون، وتنوع ثقافته وحداثتها، وطبيعته الخلابة ….

تمنى السارد في طريقه إلى المطار لو كان المتوقي حيا بجانيه، واستغل هذا التذكار للتعبير عن التباين ما بين المشرق والمغرب الأقصى وقال: “لراح (خالد) يحدق، بعينين مغرورقتين في الحقول على جانبي الطريق، ويحملق، والبسمة على شفتيه، في الفلاحين المنكبين على أعمالهم. وللفت نظر صديقه المنهك في قيادة السيارة إلى تنوع أغطية الرأس التي يلبسها أولئك الفلاحون وغنى ألوانهم، كتنوع نباتات طبيعتهم وأزاهيرها، وثراء ثقافتهم وعراقتها” (طمأنينة وتنوع وانفتاح).

إنه الفضاء المغربي الرحب الذي أبدع فيه القاسمي ثروة معرفية تضاهي إنتاجات رواد الفكر والمعرفية كونيا. وهو نفس الفضاء الذي رفع من القيمة الإبداعية للفنان خالد الجداري إلى المستويات المبهرة. طرح الحاكي سؤالا زاهرا داعيا من خلاله القارئ إلى إحداث وقفة تأملية في العبارات المتبقية من الفقرة: “وهل هناك أدنى شك في ذلك؟”. ثم أعطى لنفسه الأحقية لتقديم الجواب معلنا طابع البداهة فيه عاكسا أمام القارئ تراكمات ومكتسبات الحضارة المغربية المعاصرة : “فلينظر من لا يقر بذلك إلى الإسكيمو وأهل الصحراء فهم لا يعرفون إلا نوعا واحدا من أغطية الرأس …. وللفت نظره كذلك إلى ضوء هذه البلاد. آه، إنه الضوء المعتدل في قوته وسطوعه ليمكن ألوان الطبيعة جميعها من الظهور”.

أكثر من ذلك، يعترف الحاكي، وهو مغتبط بآهاته مرددا لمقطع أدبي بديع، أن الإمكانيات الكامنة بالمغرب الأقصى لا يعرف قيمتها إلا الخبراء والنوابغ: “آه، إنه الضوء العادل الذي لا يسمح بطغيان لون على آخر (نور الشعب المغربي بنظامه الملكي الوطني)، بل يدع كل لون يتواجد بجميع درجاته بانسجام (حرية وديمقراطية وقيادة حكيمة للتغيير)، ففي اللون ألوان لا تدركها إلا العين الخبيرة حتى وإن عجزت اللغة عن تسميتها برمتها. ومن بين أطياف اللون الواحد هناك لون يخفق لمرآه قلب الرسام، وتبحث عن خلطته مقلتاه، وتتعذب ريشته في محاكاته (بسبب قوة جاذبيته). آه، إنه الضوء العادل الذي يشهد على جوهر الألوان ونقائها ويعرضها على حقيقتها. اعترافا بجمالية المغرب ونجاعة نظام حكمه الملكي بحضارته العريقة أضاف السارد : “إنه ضوء الربيع المعتدل العادل العدل الذي يهب الأرض ألوانها الساحرة الفاتنة. وحتى أمهر الرسامين لن يستطيع أن ينقل روعة الطبيعة في لوحاته دون أن يعضده الضوء المعتدل العادل العدل، فينفذ من خلاله إلى موضوعه ويندمج فيه/ بحيث تغدو الذات والموضوع كيانا واحدا ينبض بالحياة على سطح اللوحة…

بأسلوب بياني عبر الكاتب عن طبيعة بلاد المغرب وناسها وعن الصدمة العارمة لأصدقائه المغاربة تأثرا بنهاية خالد ومغادرته المفاجئة إلى دار البقاء. وهو يخاطبه وكأنه على قيد الحياة: “سيختبئ الضوء الذي أبهرك وأسرك وراء الغيوم، وتقفر الحقول من أهلها الذين أحببت”. إنه الفضاء الباهي المحتضن للفقيد.

نجح الراوي في مهمته. واطمأنّ على اكتمالها بعدما تأكد من اختفاء الطائرة في غياهب الغيوم القاتمة. بذلك كانت نفسية العودة من المطار مغايرة تماما. عاد يقود السيّارة شاعراً بتخفّف كبير جعله يحسّ بأنّ طريق العودة إلى المدينة لم يكن طويلاً كما كان ذلك أثناء الذهاب إلى المطار. استحمل بأريحية استمرار نحيب الفتاتين. وراح في حلم يقظة جديد يتخيّل فيه صديقه ميّتاً لا حيّا. تراءى له وهو يعانق أرض وطنه الأصلي البعيد ومسقط رأسه قرب قبور أجداده. تابع مراسيم الدفن. تحدث عن حمل النعش بطريقة غريبة، تارة على الجماجم وتارة أخرى على الأعناق واصفا بفنية عارمة فضاء الاستضافة الأم: كثبان رمليّة صفراء تمتد إلى ما وراء حدود البصر، تلفحها أشعة الشمس الشديدةُ اللمعان، حتى تحيلها سراباً يغطّي السماء والأرض . وكلّما دنوا من اللحد ابتعد عنهم ونأى.

حمل النعوش لا يمكن أن يتم عمليا إلا بواسطة الأكتاف. أما الحديث عن الجماجم والأعناق ففي ذلك تعبير مجازي عن مسؤولية أمة ورفض لعمليات التهجير والتغريب غير المبررة لا سياسيا ولا إنسانيا. القاسمي عالمٍ خبيرٍ معروف في شؤون اللغة العربيّة. مزج بين انفعالات الشعور واللاشعور المحتدم بين الحياة والفقدان وتشييع الجثمان. أبرز واقع النفور المصطنع وإلصاقه قسرا بطبيعة أرض خصبة معطاء، وحمل الجزء الكبير من المسؤولية لمصادر القرار السياسي القطري والكوني.

أبرز كذلك طبيعة دفن المغترب في أرض أجداده. يُدْفَن والمؤسسات في ترقب لأدق تفاصيل تغييبه النهائي تحت التراب. عبر القاسمي عن الجو المشحون لعملية المغادرة النهائية بعبارات بلاغية مؤثرة وجذابة. المقبرة في أقاصي الصحراء عند خطّ الأفق وتمتد إلى ما وراء حدود البصر وتحيط بها الكثبان الرمليّة الصُفر من كل جانب، والمشيّعون تحاصرهم الحيرة والفزع…..

قد ننسى الموت، ونفتكره بمغادرة قريب أو صديق أو علامة عزيز. لكن هذا الهاجس عند المغترب كالقاسمي حاضر باستمرار يخيم على انشغالاته اليومية وأدبه ومشاريعه الفكرية. إنه يقدم الأعذار لأبناء وطنه جراء غلبهم ومعاناتهم اليومية : “رأى نفسه يجري وراءهم ليلحق بهم، يتخيل نفسه ينطلق خلف نعش صديقه مع المشيّعين، حاسر الرأس حافي القدمين ومادا عنقه إلى أعناقهم ليحمل النعش معهم، في حركة غريبة تحمل في ظاهرها التسليم والإذعان لإكمال المُهمّة بدون مشاكل تذكر.

حرص بكل جوارحه على تتبع عملية الدفن فنيا ودينيا وحضوريا. اقترب من النعش وأخذت تتناهى إليه أصواتٌ مخترقة التهليل والتكبير لتنفذ في أذنيه وعينيه، ضاغطة على شغاف قلبه كلحن نايٍ حزين. تحدث شعريا عن الدفن بجانب كرمة تمتصّ عروقه من “دمها” وترتوي عظامه. عاش الألم والمعرفة في حياة آمنة، وتماهى إراديا في انتقاء عبارات مطلبية خاطب بها كل من يعرفه من قريب أو بعيد متشبثا بحقه في الارتواء من جذور شجرة تخفيف عبء خلود الذاكرة الدنيوية. لا يريد استمرار الأسى بعد الموت باستمرار تسلط ويلات الاغتراب وتدهور حال ناس العراق: “سيرهم الحثيث في فلاةٍ لا نبع فيها ولا كلأ، حتى الآبار انطمرت، وجفّت الواحات، وانتحر النخيل”.

عاش الراوي فيلما مطولا دراميا لم يعانق الواقع بعده إلا عندما أوقف السيارة أمام منزل إحدى الفتيات لتغادر الفتاتان معاً، ويعود وحيداً إلى دارته الكائنة في أحد الشواطئ البعيدة والتي يلجأ إليها كلّما ألمّ به الأسى أو استبدّ به الإرهاق، لينعمَ بشيء من الهدوء والراحة. يستحضر حديثه الدائم مع صديقه عن الحياة والموت، وعن طبيعة الحياة الأخروية، والموت في الحياة قبل النهاية المصيرية، واغتراب الروح والنفس بعيدا عن أحضان الأم، وحوافز الإبداع الفني والفكري بضغط من أوزار الغربة والتهجير. تذوقا مرارة غربة عاشاها هما الاثنان بعيداً عن وطنهما بعد انتزاعهما قسرا من دفء حاضنتهما الاجتماعية، فبقيا منشغلين بمحنة الموت معبرين عن نضجعهما العالي وعلوّ روحيهما. باستحضارهما الموت، كسرّ لا يكاد ينفصل عن صميم وجود الإنسان وكزمن متناهي يسير حتماً نحو الفناء، أدركا الحاجة إلى تدقيق معنى الحياة واكتمال مقوماتها بالحق في الموت بكرامة والحق في تأبين لائق وتنظيم طبيعي لمراسيم دفن في ظروف مواتية محاطا من كل الجهات بالأحباب والأصدقاء. الموت رحمة لولاها لما استطاعت الإنسانية التعايش وجها لوجه. بالنسبة لهما من ينصرف عن التفكير في الموت، لكي يستمتع بالحياة ويزهو بمعالم البذخ فيها، إنّما ينصرف في الحقيقة عن الحياة بشكل كامل. فنسيان الموت هو في حقيقة الأمر نسيان للحياة والموت على السواء. إنها العبرة التي دعا من خلالها الكاتب إلى التشبث بسر الحياة بالتموقع في جوهر تطورات العصر بوطنية وإنسانية حقيقيتين.

إقرأ أيضا :  دولة المفارقات...

يعلمان بيقين (السارد والفقيد) أن أجيال المفكرين والعلماء سخروا عقولهم في تفسير مشكلة الخلق بالانتقال من العدم إلى الوجود، ولكن عقولهم البشرية المحدودة تقف مشدوهة كلما حاولت الاطلاع على سرّ الموت والبعث والتحوّل العجيب من كائن فاعل إلى جثة هامدة ومن رفات رثة إلى وجود جديد. حياتهم كانت كلها مناقشات لم يُبقيا فيها أمراً من أمور الموت لم يطرحاه على بساط البحث إلى أن اختطف الصديق الرسام واجتثت جذوره من الوجود.

تحدث السارد بضمير “المُخاطب” بعد الموت. وهذا يعبر عن معان نفسيّة لاشعورية مُستترة. في العمق حول الكاتب ذات السارد كمغترب إلى “موضوع” منفتح على القراء. إنها وضعية تبين أن الكاتب/السارد يفكر جدّياً في نهايته. في نفس الوقت يستغرب كيف تم تبخيس قيمة الإنسان بتراكماته وخبراته الفكرية وتحويله إلى مجرد رقم بدون روح. اغتصب عنفوان الأنا العارفة وتجبرت قوى غير طبيعية ليتم الحديث عنها بعد الموت بلغة الغائب، وبالتالي تجنب ضمير المخاطب الذي يجعل الأموات حاضرين أمامنا بشكل دائم.

القاسمي بقصته هاته، ونظرته الموضوعية الثاقبة إلى الموت، يدعو إلى العودة القوية إلى الوفاء والمحبّة والرحمة والتضامن بين الأقرباء والأصدقاء والأقوياء والضعفاء والأغنياء والفقراء…، واعتبار الموت ذا طابع سري مُقدّس يقاوم به الحضور النسيان، ويستمر التذكار وحوار الأرواح بسبب قوة التأثر بوجود الأموات قيد الحياة بما خلفوه من فوائد للأجيال.

الحياة أصبحت صعبة بعد فقدان الصديق بفضل غضب الطبيعة الذي لم يحتمل هذا الحدث. حين وصل السارد إلى منزله كان الظلام حالكاً، والرعد متلاحقاً يصمّ الأسماع، والبرق متتابعاً يخطف الأبصار، وكانت العاصفة مُتداركة الصهيل، وحبّات المطر كبيرة تُلحفُ في ضرب زجاج السيّارة كطلقات مدفعٍ رشّاش، وتحول الزقاق إلى وادٍ ضيّق متدفّق السيل. دخل دارته مبتلّاً محموماً، ليكتشف انقطاع التيّار الكهربائي بسبب الزوبعة.

إنه طغيان أرعن للطبيعة على الإنسان في يوم الوداع. بين بارقة وأخرى يسقط ضوء خاطف على إحدى لوحات صديقه المُثبّتة على الجدار المعبرة عن الموت وواقع شعب العراق (الطبيعة حزينة لموت خالد محتفية بإبداعاته وعامة الجماهير غير مبالية بالحدث): تطلّ منها وجوه القرويين الكالحة بعيونهم الجاحظة، وشفاههم الجافّة، ونظراتهم البائسة، تُظلّلهم أشجار أنهكها الخريف، ولوِتْ ريحٌ خفيّة أغصانها، وبعثرتْ أوراقها المُصفرّة على رؤوس القرويين، وأقدامهم الغليظة الناشبة في الأرض، كجذور الأشجار ذاتها… لا توجد في أي لوحة أي لمحة تشي باخضرار أمل مُقبل. جفافٌ وبؤسٌ وصفرةُ خراب. ناس العراق يعيشون الموت بتجلياته في الحياة مُحاصرين بشفاههم المشقّقة العطشى كالأرض الكالحة الجرداء، هم يعيشون الخريف الدائم، يعرّيهم شيئا فشيئاً من مكتسباتهم التاريخية المُقاوِمة، ليلقيهم في هاوية الزوال. وتزداد الوضعيات تأزما عندما يموت الفنان الذي كان يجرؤ على النظر في الموت بشجاعة وإقدام.

أحداث العودة ومشاهد اللوحات الثلاث وارتباطهما بالعالم الخارجي تجعل القارئ في وضعية خوف وكأنه يتابع نهاية فيلم رعب تسطو على مشاهده ظلمة جبروت الموت ووحشة المكان. عاش القنوط ليفاجئ بانبعاث روح صديقه. التفت صوب مصدر صوت وحركة، ليرى بحدقتي عينيه المُنفتحتين تماماً، شبح صديقه الراحل: طويلاً، مارداً، رهيباً، مُريعاً، في بياض كالكفن، يدفع النافذة مُشرعةً على مصراعيها، ويندفع كصاروخ مُنطلق، كنجمٍ مُذنّبٍ هائلٍ، إلى وسط الدارة. حينئذٍ ، انبعثت منه صرخة حادّة مرعبة :لماذا ؟ لماذا ؟ وخرّ مُغشياً عليه.

عاش السارد ظمأ معانقة أرض الوطن ببشرها وشجرها، وعاش ظمأ الحديث الواقعي مع صديقه الذي لم يغادره بروحه. عاش ظمأ فاعليته وإسهامه في نماء وبناء العراق بمصيرها الأسود الآيل للسقوط. إنه ظمأ لمساعدة الأرواح المُمزّقة العطشى الباحثة على الارتواء بنفحات حياة الكرامة. وبقي الحرمان والفقدان معلقان مرابطان بسؤال أخير : لماذا ؟ .. لماذا ؟ أي لماذا اختلطت الموت بالحياة ويُشرع الإنسان في الموت بمجرد ما يولد في أرض العراق؟

إنها قصة تعبر فعلا عن الأدوار الريادية العظيمة للأدب والأديب في حياة الشعوب والأمم وحضاراتهم. لماذا نتقاتل ونهجر ونغرب بعضنا البعض ونتصارع؟ لماذا يميل البعض منا ظلما وعدوانا للتسلط بأنماط متفاوتة وكلنا نعرف في كل لحظة من لحظات الحياة أن سيف الموت فوق رقبتنا ؟ سؤال معقد ربط القاسمي الجواب عليه بمفهوم الصداقة والأخوة كإرث تكتنفه الصدور النقية الطاهرة المغمورة بالحب القار والمشاعر النبيلة التي تتداعب وتتناغى بأفق تخليد ممارسات وتراكمات إنسانية نافعة في عالمنا العربي. روح خالد، بزخم ودها وإخلاصها ورصيدها الفني والفكري، أبت أن تغادر. تحولت إلى روح هائمة في خيالاتها ومزهوة بنبضاتها في الحياة ومغردة فوق سماء الصدق والسؤدد. أتحفنا القاسمي بنص يستنهض بعباراته الهمم وتنبعث من خلاله معان استثنائية للألم والأمل معا.

النص الكامل للقصة : الظمأ

(إلى روح الفنان الكبير الدكتور خالد الجادر)

سقطتْ سماعة الهاتف من يده قبل أن يسمع بقية كلام مخاطبه، وهبّ يهرول متعثِّراً في اتِّجاه الباب، مُغالباً الدمع المنبجس في مآقيه، وهو في طريقه إلى شقّة صديقه الرسّام الكبير.

طالعتْه في مدخل الشقَّة لوحاتٌ متناثرةٌ، بعضها لم يكتمل، وبعضها لم يؤطَّر؛ منها ما هو معلَّق على الحائط، ومنها ما هو مُلقًى على الأرض، ولكنَّها بدتْ له جميعها داكنة الألوان، منكسرة الخطوط، منبعجة المنظور، وتكتسي كلُّها مسحة أسًى دفين في عصر ذلك اليوم الشتائيِّ الغائم.

في غرفة الجلوس الخافتة الضوء الباهتة اللون، فتاتان تنتحبان حول تابوت مُغطَّى بقطعة قماش سوداء. ودون أن يعبأَ بهما أو يوجّه الكلام إليهما، وضع يده اليمنى على رأس التابوت، وأخذ يقرأ الفاتحة ويدعو للراقد داخله. ثمَّ دلفَ مسرعاً إلى غرفة النوم الوحيدة في الشقَّة، ليلفي أخا الرسام الأصغر وهو مُستلقٍ على وجهه في سريره وقد وضع كفيه على عينيه، فبادره سائلاً :

ـ وماذا عن نقل الجثمان إلى الوطن؟

ـ عليّ الانتظار يومَيْن لعدم وجود طائرة هذا اليوم.

ـ بلى، هنالك رحلة مباشرة بعد ساعتيْن، وسأهاتف وكالة السفر التي نتعامل معها لاتخاذ ما يلزم في المطار، وسآتي بسيارتي إلى باب العمارة خلال دقائق خمس، وعليك إنزال النعش إلى هناك.

انطلقتِ السيّارة كجوادٍ جامح على الطريق المحاذي للبحر نحوَ المطار، وهي تحمل النعش على متنها، واحتلَّت الفتاتان المنتحبتان المقعد الخلفي، في حين جلس أخو المُتوفَّى واجماً صامتاً في المقعد الأماميّ بجانبه.

آه لو كان المُتوفَّى بجانبه لراح يحدّق، بعينيْن مغرورقتَيْن، في الحقول على جانبَي الطريق، ويحملق، والبسمة على شفتيْه، في الفلاحين المُنكبِّين على أعمالهم. وللفتَ نظر صديقه المنهمك في قيادة السيّارة إلى تنوّع أغطية الرأس التي يلبسها أولئك الفلاحون وغِنى ألوانها، كتنوُّع نباتات طبيعتهم وأزاهيرها، وثراء ثقافتهم وعراقتها. وهل هناك أدنى شكٍّ في ذلك. فلينظر مَن لا يُقرُّ بذلك إلى الإسكيمو وأهل الصحراء فهم لا يعرفون إلا نوعاً واحداً من أغطية الرأس… وللفتَ نظره كذلك إلى ضوء هذه البلاد. آه، إنّه الضوء المعتدل في قوته وسطوعه، ليمكّن ألوان الطبيعة جميعها من الظهور. آه، إنّه الضوء العادل الذي لا يسمح بطغيان لونٍ على آخر، بل يدع كلَّ لونٍ يتواجد بجميع درجاته بانسجام، ففي اللون ألوان لا تدركها إلا العين الخبيرة، حتّى إنْ عجزتِ اللغة عن تسميتها برمَّتها. ومن بين أطياف اللون الواحد، هنالك لون يخفق لمرآه قلبُ الرسّام، وتبحث عن خلطته مقلتاه، وتتعذَّب ريشتُه في محاكاته. آه، إنّه الضوء العادل الذي يشهد على جوهر الألوان ونقائها ويعرضها على حقيقتها. ليس هنالك شيءٌ أقدر من الحقّ على إظهار الحقيقة. أتظنّ أنّ أمطار الشتاء هي التي تفتِّق الأرض عن خباياها الأخّاذة الألوان في الربيع؟ لا، إنّه ضوء الربيع المعتدل العادل العدل الذي يهب الأرض ألوانها الساحرة الفاتنة. حتّى أمهر الرسّامين لن يستطيع أن ينقل روعة الطبيعة في لوحاته، دون أن يعضده الضوء المعتدل العادل العدل، فينفذ من خلاله إلى موضوعه ويندمج فيه، بحيث تغدو الذات والموضوع كياناً واحداً ينبض بالحياة على سطح اللوحة…

إقرأ أيضا :  عادل الصغير كاتبا وطنيا جديدا لشبيبة "البيجيدي"

في عصر هذا اليوم الشتائي الغائم، يختبئ الضوء الذي بهركَ وأَسَرَكَ وراء الغيوم، وتُقفر الحقول من أهلها الذين أحببتَ.

يستغرق الطريق إلى المطار، عادة، ساعة ونصف الساعة، وتحتاج الإجراءات في المطار إلى نصف ساعة على الأقل، وهكذا كان عليه أن يقود السيّارة بسرعة غير اعتياديّة تجاوزت المائة وخمسين كيلومتراً في الساعة. وما إنْ بدأت الرحلة حتّى أخذ الظلام المتربّص خلف الحقول الغامقة الخضرة يزحف على الطريق، وغدت الريح القادمة من البحر تضاعف سرعتها وتسوق غيوماً كثيفة أمامها كقطعانٍ هائجة من الجاموس، وما لبثتْ قطرات المطر أن انهمرت بوتيرةٍ متصاعدة، مهدِّدة بخطر انزلاق السيّارة على الطريق المغطّاة بالمياه والأوحال، فأدرك إدراكاً يشوبه التوجّس والخشية أنَّ عليه أن يركِّز انتباهه كلَّه على الطريق وقيادة السيّارة. بَيدَ أن نحيب الفتاتَين المتقطِّع وأنينهما غير المتناغم طوال الطريق، كان يفسد عليه التركيز المطلوب.

في المطار، شيَّعت عيناه النعش حتّى ابتلعته بطن الطائرة، دون أن يلاحظ تحية الوداع التي لوَّح بها أخو الرسّام وهو يجتاز حاجز إجراءات المغادرة. ولم يطُل به الانتظار، فقد أقلعت الطائرة بعد لحظات، وسرعان ما اختفت في غياهب الغيوم القاتمة التي كانت أشبه بخيمةٍ كبيرةٍ سوداءَ على فضاء المطار.

وخُيِّل إليه أنَّ طريق العودة إلى المدينة لم يكُنْ طويلاً، كما كان أثناء الذهاب إلى المطار. وعلى الرغم من استمرار الفتاتين في نحيبهما المتقطِّع فقد حلَّق ذهنه بعيداً، وهو يسابق الطائرة في رحلتها إلى أرض الوطن. وتراءى له جمْعٌ من المستقبلين المشيِّعين، حفاةَ الأقدام، حاسري الرؤوس، يحملون النعش على جماجمهم، مكبِّرين مهلِّلين، وهم يسرعون الخُطى إلى قلب الصحراء، حيث وُلِد الفنّان الراحل وحيث يرقد أجداده منذ قرون. وظلّوا يحملون النعش على أعناقهم، وهم يندفعون بعيداً بعيداً نحو لحدٍ فاغرٍ فاه عند خطِّ الأُفق، في فلاةٍ لا متناهيةٍ زاخرةٍ بكثبانٍ رمليّةٍ صفراءَ تمتدّ إلى ما وراء حدود البصر، تلفحها أشعة الشمس الشديدةُ اللمعان، حتّى تحيلها سراباً يغطّي الأرض والسماء. وكلّما دنوا من اللحد ابتعدَ عنهم ونأى. وفجأةً، رأى نفسه يجري وراءَهم ليلحق بهم، حاسرََ الرأس حافي القدمين، يمدّ عنقه إلى أعناقهم ليحمل النعش معهم. وعندما اقترب من النعش أخذتْ تتناهى إليه أصوات مخترقة التهليل والتكبير لتنفذ في أذنيْه وعينيْه، ضاغطةً على شغاف قلبه كلحنِ ناي حزين، وانطلق منها صوتٌ نائحاً :

تذكّرتُ مَن يبكي عليَّ فلم أجدْ ………………………….

وارتفع صوتٌ ثانٍ متسائلاً :

يقولون لا تبعد وهم يدفنونني وأين مكان البــعد إلا مكانيــا؟!

ودوّى صوت آخر موصياً :

إذا متُّ فادفني إلى جنبِ كَرمةٍ تروّي عظامي بعدَ موتي عروقُها

ولا تدفننِّي في الفلاة فإنـَّـني أخافُ إذا ما متُّ أن لا أذوقُهــا

بَيدَ أنّهم واصلوا سيرهم الحثيث في فلاةٍ لا نبع فيها ولا كلأ، حتّى الآبار انطمرت، وجفّت الواحات، وانتحرَ النخيل.

ولم يقطع عليه هذا السَّفَر الذهنيّ المضنيّ إلا إيقافه السيَّارة أمام منزل إحدى الفتاتَين لتغادرا معاً، ويعود وحيداً إلى دارته الكائنة في أحد الشواطئ البعيدة التي يلجأ إليها كلّما ألمّ به الأسى أو استبدّ به الإرهاق، لينعمَ بشيءٍ من الهدوء والراحة، فالمنازل المشيّدة في ذلك الشاطئ تُهجَر تماماً في الشتاء، ولا تدبّ فيها الحركة إلا عندما يعود فصل الصيف.

كانت دارته على الشاطئ مباشرةً، لا يفصلها عن مياه البحر إلا بضعة أمتار، وعندما يهيج البحر تغسل أمواجُه درجَ الباب الخلفيّ المُفضيّ إلى الشاطئ. وكانت واجهة الدارة المُطلّة على البحر، زجاجيّةً واسعةً تسمح له برؤية البحر وسماع هديره. وغالباً ما كان صديقه الرسّام يأتي إلى هذه الدارة ليرسم بعض لوحاته. وهناك كان حبُّ البحر يجمع الصديقَيْن فيتحدّثان عن الحياة والموت، والحياة بعد الحياة، والموت قبل الموت، وغربة الجسد، واغتراب الروح، وتغرّب الفكر.

حين وصل إلى الدارة كان الظلام حالكاً، والرعد متلاحقاً يصمّ الإسماع، والبرق متتابعاً يخطف الأبصار، وكانت العاصفة متداركةَ الصهيل، وحبّاتُ المطر كبيرةً تُلحِف في ضرب زجاج السيّارة كطلقات مدفع رشاش، وتحيل الزقاق إلى وادٍ ضيقٍ متدفِّقِ السيل. ولجَ الدارة مبتلاً محموماً، ليكتشف انقطاع التيارِ الكهربائيِّ بسبب الزوبعة.

ومِن غير أن يكلِّف نفسه إيقاد شمعة، ألقى بجسده المنهَك على الأريكة الكبيرة مُلتحفاً العَتَمَة وراح يحملق في اللاشيء. وأضاء البرق الذي كان ينفذ إلى فناء الدارة بين الفينة والفينة، إحدى لوحات صديقه الراحل المثبَّتة على الجدار، لتطلَّ منها وجوه القرويين الكالحة بعيونهم الجاحظة، وشفاههم الجافة، ونظراتهم البائسة؛ تظلّهم أشجار أنهكها الخريف، ولوت ريحٌ خفيّةٌ أغصانها، وبعثرت أوراقها المصفرّة على رؤوس القرويّين، وأقدامهم الغليظة الناشبة في الأرض، كجذور الأشجار ذاتها.

ها هو ضوء البرق ينحسر بسرعةٍ خاطفةٍ ليخلّف الفضاء والهواء فريسةً لزمجرةِ الرعد الثائر، وأزيز العاصفة العاتية، وهدير البحر المدوّي. ثمَّ يعود البرق ليضئَ لوحةَ أُخرى يشرئِبُّ منها وجهُ ساحرٍ أسود الملامح يغمد نظراته الثاقبة في عينَي قرويَّة غرّة تجثو أمامه، فاغرة الفم، متدلّية الشفتيْن، شاحبة الوجه، مرتعبة الفرائص. ثمَّ يخيِّم الظلام مرّةً أُخرى، لا ينافسه إلا صوت الغيث المتهاطل، وتلاطم الأمواج وارتطامها بصخور الشاطئ الصلداء. ويعود البرق من جديد ليُضئ لوحةً أُخرى يطلُّ منها ضريحُ وليٍ جاثم على شاطئ البحر، وبالقرب منه ثلاثة قوارب منكفئة على الرمال، لا بدّ أن أمواجاً رعناء قد ألقت بها إلى الشاطئ قبيل الفجر، بعد أن ابتلعت أصحابها الصيّادين أثناء الليل. وهكذا ظلّ البرق يفتح عينيْه المرهقتَين المستسلمتَين على اللوحات المعلَّقة على الحائط واحدة تلو الأخرى، ويُغمضهما بعد انحساره لا تَريان ولا تُريان. وظلَّ على تلك الحال مدّةً لم يعِ أمدها ولم يُدرِك أثرها.

وبينما كان مغمضَ العينَيْن مسترخي الأوصال، سمع فجأةً صوتاً غريباً يختلف عن جميع الأصوات التي ألفتها أُذناه في تلك الليلة. أحسَّ بحركةٍ مريبةٍ لا تُشبه أيَّة حركة سببتها عواصف ذلك المساء. لم يكُن ذلك الصوت قادماً من جهة البحر، ولم تكُن تلك الحركة آتيةً من مبعث الريح الغربيّة، وإنّما بدا له أنّهما صادران من الجهة الشرقيّة من الدارة. وبصورةٍ لاإراديَّةٍ، وقبل أن يُتاح له حتّى القليل من التفكير، التفتَ صوب مصدر الصوت والحركة، ليرى… ليرى بحدقتَي عينَيْه المنفتحتَين تماماً، شبحَ صديقه الراحل: طويلاً، مارداً، رهيباً، مُريعاً، في بياضٍ كالكفن، يدفع النافذة مشرعةً على مصراعيْها، ويندفع كصاروخٍ منطلقٍ، كنجمٍ مذنَّبٍ هائلٍ، إلى وسط الدارة.

حينئذٍ، انبعثت منه صرخةٌ حادَّةٌ مرعوبةٌ: لماذا؟ لماذا؟ وخرَّ مغشياً عليه…

#فضاء #أنوار #بأرق #الموت

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى