قبيلة ذوي منيع.. الجُرحُ النازف

“المحبة شجرة أصلها الزيارة” -قول مأثور-

لست أصدر في هذا المقال عن نزعة قبلية ضيقة، وإنما الأمر يتعلق بتشخيص حالة إنسانية عمّرت لعدّة عقود، لفّها الصمت والنسيان وتم ركنها في دائرة المسكوت عنه والمنسي. إنها مأساة مغاربية بامتياز، ووجه من أوجه الثلمات التي يعاني منها جسد المغرب العربي.

يرتد أصل قبيلة ذوي منيع إلى قبائل بني هلال التي هاجرت من نجد بالحجاز إلى أرض المغرب العربي الكبير في إطار ما سمي بت: “تغريبة بني هلال”، وبحسب بعض المصادر التاريخية، فإن دخول هذه القبائل إلى المغرب يرجع إلى فترة العهد الموحدي، إذ عمد سلاطين هذه الدولة إلى استقطابها لدواع أمنية ودفاعية، ويرى البعض أن جد قبيلة ذوي منيع المسمى الحاج عبد الكريم بن امحمد “منّاع”، كان دليلَ ومرافق جدّ الأشراف العلويين بالمغرب: الحسن بن قاسم الذي تم استقدامه في البداية إلى منطقة تافيلالت. وفي عهد المولى اسماعيل تم الاعتماد على بعض رجالات هذه القبيلة في حماية مدينة مكناس وصدّ هجمات بعض القبائل المتمردة على السلطان.

حافظت قبيلة ذوي منيع على طبعها البدوي معتمدة على الترحال بحثا عن الكلأ وموارد المياه، كما اشتغلت بالزراعة وحماية وخفر القوافل التجارية التي كانت تنشط بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء، ومن ثمة فإن مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها امتدت من تافيلالت (بالمغرب حاليا) إلى واد الساورة وتوات (بالجزائر حاليا). وفي سنة 1844 هاجمت فرنسا المغرب بسبب دعمه للمقاومة الجزائرية، وانتصرت على الجيش المغربي في معركة إيسلي قرب وجدة، وكان من تداعيات هذه الهزيمة إبرام اتفاقية للا مغنية التي احتلت بموجبها فرنسا أقاليم من المغرب وضمتها إلى “فرنسا الجزائرية”، ومنها على الخصوص: تيندوف، كولومب بشار، العبادلة والقنادسة… لكن لم يتمخض عن ذلك ترسيم فعلي ومقنن للحدود بين المغرب والجزائر، على اعتبار أن فرنسا ظلت تنظر إلى تلك المنطقة على أنها صحراء قاحلة وخالية من السكان، لكن نظرتها تلك تغيرت سنة 1950 باكتشافها للحديد بمنطقة غار اجبيلات. ومهما يكن فإن قبائل ذوي منيع ومعها أولاد اجرير، لم تعترف بالحدود التي فرضتها فرنسا، وظلت وفية لترحالها وتنقلها في ما اعتبرته مجالها الحيوي، بل الأكثر من ذلك أنها حاربت الجيش الفرنسي بمعية المغاربة والجزائريين على حد سواء.

إقرأ أيضا :  في بعض ما يدور بعقلية الشباب، بصوت مرتفع

وفي سنة 1956 حصل المغرب على استقلاله، فاقترحت عليه فرنسا أن يسترجع الأراضي التي كانت اقتطعتها منه سابقا وضمتها للجزائر، لكن المغرب أرجأ ذلك الى ما بعد حصول الجزائر على استقلالها، وأبرم في هذا الصدد اتفاقا مع قادة جبهة التحرير الجزائرية يقضي بتسوية مسألة الحدود بين البلدين بعد خروج فرنسا من الجزائر. ولعل السبب الذي دفع المغرب إلى اتخاذ هذا الموقف، هو رغبته في الاستمرار في دعم الجزائر في معركتها التحررية، إذ كانت أراضيه تشكل دوما مواقع خلفية للثوار الجزائريين الذين غالبا ما دعّمهم بالسلاح والعدة، وقَبول المغرب باسترجاع أراضيه في ذلك التوقيت، كان يعني بكل بساطة توجيه طعنة من الخلف لحركة التحرير الجزائرية. وتجدر الإشارة إلى أن قبيلة ذوي منيع وأولاد جرير من القبائل القليلة التي كسرت شوكة المستعمر الفرنسي على الجبهتين المغربية والجزائرية وسقط أبناؤها شهداء في الساحة المغربية كما الجزائرية على حدّ سواء.

بحلول 1961 حصلت الجزائر على استقلالها، لكن سرعان ما تنكر قادة جبهة التحرير لعهودهم مع المغرب، فحصلت مناوشات بين جيشي البلدين في المناطق المتنازع عليها، فبادرت الجزائر إلى الهجوم على مركز حدودي مغربي بالعين الصفراء وتنجوب، ثم تطور الأمر إلى نشوب ما يسمى بحرب الرمال سنة 1963، والتي لم تنته الا بتدخل من بعض الدول العربية فتمّ رأب الصدع ولو إلى حين. لكن الخاسر الأكبر من هذا النزاع كان هو قبيلة ذوي منيع التي مزّقتها الحدود بين دولتين، وهو ما تكرّس بشكل أكثر إيلاما من خلال اتفاق إفران 1972 والذي تم بموجبه ترسيم الحدود بين البلدين، ظلت الحدود مغلقة ليدفع المنيعيون الثمن غاليا، إذ فقدوا أغلب أراضيهم السلالية هنا وهناك، وعاشوا حالة الشتات، تقطعت أرحامهم وضاعت حقوقهم وظلوا موضع توجس وريبة في المغرب كما في الجزائر، في المغرب ينعتون بالجزائريين وفي الجزائر ينعتون بالمغاربة. جاءت حرب الصحراء بين المغرب والبولساريو ومن خلفها الجزائر، لتزيد من قتامة وضعهم ومن مأساويته، لكنهم رغم كل هذه الإكراهات عبّروا عن وطنية صادقة وكانوا سبّاقين للدفاع عن قضايا الوطن، من خلال المشاركة في حدث المسيرة الخضراء، كما سقت دماء أبنائهم ساحة المعارك في الصحراء المغربية مثلما سقتها في معركة التحرير ضد المستعمر الفرنسي.

إقرأ أيضا :  إسبانيا تنفي التراجع عن دعم مقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية

لَكُم أن تتصوروا فداحة الوضع النفسي لهذه القبيلة طيلة عقود ممتدة من الزمن، حُرمت فيها من أهم حقوقها المتمثلة في صلة الرحم والتزاور بين الأهل، مات الأب في الضفة الأخرى فلم يجد ابنه إلى جانبه كي يُشيُعه بنظرة أخيرة ويدفنه في قبره، الكثير من الأمهات والإخوة ماتوا كمدا من فرقة شتّت شملهم وحرّقت أكبادهم، ينتظرون من أهل السياسة أن تعتدل أمزجتهم، فيمُنُون عليهم بفتح الحدود كي تتحقق أحلامهم التي باتت شبه مستحيلة. في سنة 1989 أُسِّس اتحاد المغرب العربي فاستبشرت القبيلة خيرا، وأخيرا فُتّحت الحدود فانبجس سيل التواصل الإنساني المحتدم بين الضفتين، غزا الفرح القلوب وتملّك النفوس، وما كان حلما صعب المنال أضحى حقيقة، فالتأمت الجروح وتجددت الأواصر والصلات وانتفت صفة “القُطرية” لتحلّ مكانها آصرة الأخوة: “خاوة/خاوة”. لكن شهر العسل ذاك لم يدم سوى سنوات معدودة، عادت بعده سخائم العداوة لتطلّ برأسها المقيت فغُلّقت الحدود مجددا، فانكفأ كل المنيعيين ومن شابههم من سكان الشريط الحدودي الممتد بين الإخوة الأعداء، انكفؤوا على أنفسهم بعد أن انفتح الجُرح من جديد، وكأنهم خرجوا من السجن ثم أُدخلوا إليه من جديد. الأحلام التي عاشوها فجمّلت حياتهم مؤقتا صارت كوابيس مزعجة. تبخرت أفراح اللقاء فأضحت مجرد ذكريات جميلة تعذّب أصحابها فلا تسعدهم ولا ترحمهم.

إقرأ أيضا :  النقابات تفشل في تبني ملف مطلبي مشترك قبل المشاورات مع رئيس الحكومة

ها هو المغرب في شخص ملكه محمد السادس يمدّ اليد من جديد إلى قادة الجزائر، لفتح صفحة جديدة في كتاب العلاقات بين البلدين واستدراك الوقت المُضاع، لكن الجزائر تُقابل اليد الممدودة بالأذن الصماء، وها هو واقع الانغلاق وضيق الأفق يفرض نفسه من جديد ليتجرع أبناء المناطق الحدودية كأس الفرقة والشتات، ولتبقى قبيلة ذوي منيع من أكثر القبائل تضررا جراء هذا الواقع الأليم. فالقبيلة فقدت أراضيها وتمّ التضييق عليها وتفتيت نسيجها الاجتماعي، ناهيك عن إقبار موروثها الثقافي الذي يعدّ من أغنى الموروثات على الصعيد الوطني والإقليمي: فالقبيلة تجر وراءها تاريخا عريقا وذاكرة شفوية ثرّة بأشعارها وزجلها وتقاليدها المحلية وعاداتها وفلكلورها الشعبي المتمثل في رقصة “هوبي” التي تعد من أقدم الرقصات الشعبية العربية.

ولا شك أن هذه المعطيات ذات النزوع الإنساني والثقافي والرمزي، غالبا ما لا يُلتفت إليها حين الحديث عن فتح الحدود بين المغرب والجزائر، وهي المعطيات التي لا تقلّ أهمية عن الشق الاقتصادي الذي يتم التركيز عليه دوما من منطلق مادي براغماتي بحت، علما أن الحق في صلة الرحم وكذا التواصل الثقافي من الحقوق التي نصّت عليها شريعتنا الإسلامية السمحاء وكذلك الأعراف والقوانين الدولية، خاصة ما تعلق بحقوق الأقليات وسكان الحدود.

وعليه فإن النخب المثقفة ببلدان المغرب العربي باتت ملزمة بإثارة هذه القضايا والدفاع عنها من منطلق ثقافي وإنساني بغية تجسير الهوة بين شعبين عربيين مسلمين، لهما من القواسم المشتركة ما يدعم وحدتهما واتحادهما لا ما يفرقهما ويباعد بينهما.

إجمالا لقد أصبح مفروضا على حكام الجزائر نزع نظاراتهم السوداء، كي يرووا العالم على حقيقته مزدانا بألوان الطيف الجميلة، عالم مؤسس على التكتل وروح الأخوة الصادقة واستشراف المستقبل، بدل العيش في جلباب الماضي البئيس بمؤامراته وعداواته البغيضة، عالم يحقق لشعوب المنطقة آمالها وأحلامها في العيش بكرامة وفي ظل الكرامة.

والله من وراء القصد

#قبيلة #ذوي #منيع. #الجرح #النازف

زر الذهاب إلى الأعلى