لكريني: الأزمة المغربية التونسية سابقة خطيرة تفرض بذل مجهودات كبيرة

قال إدريس لكريني، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، إنه “في وقت تتكاثف جهود كثير من دول العالم على طريق تنسيق الجهود وتعزيز التعاون، استعدادا لما ستفرزه التحولات الدولية الكبرى الجارية، وبخاصة بعد الانعكاسات التي أفرزتها جائحة كورونا، ثم الحرب في أوكرانيا، اللتان أبرزتا أن هناك رغبة جامحة لعدد من القوى الدولية الكبرى في الاستئثار بأدوار أكثر أهمية وحضورا ضمن ميزان النظام الدولي الذي بدأت ملامحه في التشكل مع الطموحات التي بدأت تعبر عنها كل من روسيا والصين في هذا الخصوص… يبدو أن مجمل دول شمل إفريقيا والشرق الأوسط لم تكن مرة أخرى في الموعد”.

وأوضح المتحدث أن “مجمل دول شمل إفريقيا والشرق الأوسط لم تستفد قط من التجربة القاسية التي كانت ضحية لها في أعقاب نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق، بعدما انتشرت النزاعات والحروب والأزمات في المنطقة كالنار في الهشيم، بدأت بحرب الخليج الثانية وتفجّر الأوضع في الجزائر والصومال والسودان؛ وتدهور النظام الإقليمي بكل مكوناته، وتراجع أداء جامعة الدول العربية التي بدت وكأن التطورات الدولية قد تجاوزتها بكثير، والأمر نفسه بالنسبة لتكتلات فرعية أخرى كالاتحاد المغاربي الذي بدا جامدا يكرس بوضعه الهدر رغم المقومات البشرية والطبيعية والاقتصادية المتاحة”.

وأشار إدريس لكريني، مدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات والسياسات LECACP بكلية الحقوق بجامعة القاضي عياض، إلى أن “الإشكالات والأزمات المختلفة التي واجهت عددا من التكتلات الدولية الكبرى كالاتحاد الأوربي لم تحُل دون تطوير الأداء، بعدما راهنت على المستقبل وطوت كل الخلافات التي طالما كرّست الأحقاد والعداوات، اقتناعا منها بأن التفريط في المكتسبات التي تحققت على امتداد عدة عقود في هذا الشأن هو بداية للعودة إلى جحيم الحروب وأجواء الانتقام، ما جعل الحرص على تشبيك المصالح ونبذ الخلافات رهانا أساسيا لتحصين المستقبل”.

إقرأ أيضا :  بعثة قضائية تستعرض تجارب المحاكم المغربية في مؤتمر دولي بإسرائيل

وأكد الأستاذ الجامعي ذاته أنه “في المنطقة المغاربية، ورغم المحطات القاسية التي مرت منها، مازال الهدر هو سيد الموقف، ما يجعل المستقبل مشوبا بمزيد من المخاطر وبالكثير من الأسئلة المقلقة والحارقة”، مضيفا أن “هذه الدول ورغم الإمكانيات المتاحة مازالت تعيش على إيقاع التشتّت والفرقة، رغم إبرام اتفاقية مراكش عام 1989، التي أنشئ بموجبها الاتحاد المغاربي الذي يراوح مكانه”.

وقال لكريني: “في وقت كانت تنادي الكثير من القوى المدنية والمجتمعية بفتح الحدود بين الجزائر والمغرب، وتعزيز التعاون الاقتصادي كمدخل لتجاوز كل الخلافات القائمة بشكل متدرّج، بدأ التساؤل بشأن جدوى ومستقبل الاتحاد المغاربي بقوة، مع إعلان الجزائر قطع علاقاتها مع المغرب من جانب واحد قبل عدة أشهر، وذلك بالنظر إلى وزن الدولتين داخل الفضاء المغاربي”.

وضمن خطوة مفاجئة وغير مسبوقة، يضيف إدريس لكريني، “قام الرئيس التونسي بتخصيص استقبال رسمي لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية، في سياق استضافته للمشاركة في أشغال القمة الثامنة لمنتدى التعاون الياباني – الإفريقي (تيكاد)، التي احتضنتها تونس يومي 27 و28 غشت 2022، وهو ما خلّف استياء شعبيا ورسميا داخل المغرب، وكان سببا في مقاطعة هذا الأخير لأشغال القمة، واستدعاء السفير المغربي بتونس لأجل التشاور”.

إقرأ أيضا :  دولة المفارقات...

وسجّل مدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات والسياسات أن “هذه الخطوة المستفزة أعادت النقاش حول ما تبقى من الحلم المغاربي، بعد خروج تونس عن حيادها الإيجابي الذي حافظ عليه كل الرؤساء التونسيين منذ اندلاع النزاع في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، باعتبار البلاد (تونس) طرفا يفترض فيه الحرص على لمّ الشمل، والعمل على تقريب وجهات النظر، بدل تكريس الفرقة والصراع”، مشيرا إلى أن “المخاوف من أن تتدهور العلاقات المغربية التونسية تتزايد، تحت وقع هذه التطورات التي دفعت تونس بدورها إلى استدعاء سفيرها في الرباط لأجل التشاور، وبخاصة مع وجود أطراف إقليمية تعمل على تكريس هذا الانقسام، بما يخدم أهدافها وأجنداتها القطرية الضيقة”.

وقال أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية إنه “لم تتوقف الدعوات التي تطلقها الكثير من قوى المجتمع المدني والمثقفين والفنانين والرياضيين إلى طي الخلافات المغاربية، واتخاذ قرارات تستجيب لتوجهات شعوب المغرب الكبير، في فضاء مفتوح ومتلاحم ومتشابك المصالح؛ غير أن رياح الأحداث وتسارعها مازالت تهبّ ضد إرادة هذه الشعوب، ما يطرح معها أكثر من سؤال حول القرارات غير الشعبية المتخذة من قبل بعض دول المنطقة، التي ترهن مستقبل المنطقة بمزيد من المخاطر والتحديات”.

إقرأ أيضا :  ضبط مخالفات التعمير - موقع القانون والعقار

وعن الأزمات المتلاحقة في الفضاء المغاربي، اعتبر لكريني أن حدّتها اشتدّت، “وأصبحت هناك حاجة جدّ ماسة إلى أصوات عاقلة ونخب مسؤولة توقف النزيف وتجهر برفض هذا الواقع المزري الذي تؤجّجه أصوات تغرد خارج التاريخ والجغرافيا، وتورّث الأجيال القادمة مزيدا من الحقد والكراهية”، منبها إلى أن “هذا الوضع المرّ الذي يشكّل تنكرا تاما لكل الروابط الحضارية والدينية والتاريخية التي تجسد المشترك بين شعوب المنطقة أصبح يسائل الجميع، ويفرض وقفة رجل مغاربي واحد، بخاصة مع تنامي الخطابات التصعيدية والهدامة لكل المكتسبات التي أسّس لها الآباء والأجداد”.

ووصف المتحدث الأزمة الحالية في العلاقات المغربية التونسية بأنها “سابقة خطيرة تفرض بذل كل الجهود لاحتوائها، بما يضمن المصالح الإستراتيجية للبلدين، بل وتحويلها إلى فرصة لتمتين وتعزيز هذه العلاقات، وتوفير شروط بناءة قد تفضي إلى لملمة الجراح المغاربي، عبر استثمار كل الإمكانات والطاقات المتوافرة لانتشال المنطقة من حالة الهدر والصراع التي تعمقت بشكل مخيف خلال السنوات الأخيرة”.

#لكريني #الأزمة #المغربية #التونسية #سابقة #خطيرة #تفرض #بذل #مجهودات #كبيرة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى