لكريني يقارب سياقات وخلفيات أفول النفوذ الفرنسي في الفضاء الإفريقي

قال إدريس لكريني، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، إن “القارة الإفريقية تعيش على إيقاع مفارقة كبيرة، ففي الوقت التي تؤكد فيه الكثير من المؤشرات والمعطيات الواقعية احتضانها لمكونات ومقومات تجعلها على رأس الفضاءات الأكثر غنى على المستوى الحضاري، ما زالت الكثير من دولها تعيش على إيقاع الفقر والصراعات الداخلية وعدد من الإشكالات التي تعرقل مسارات التنمية”.

وأوضح لكريني، في مقال له بعنوان “أفول النفوذ الفرنسي في إفريقيا”، أن “الكثير من الأحداث والوقائع تبرز أن هناك رغبة إفريقية جامحة للتخلص من النفوذ الفرنسي، وهو الخطاب الذي تتبناه العديد من النخب السياسية الجديدة، إضافة إلى جزء كبير من الأنتلجنسيا الإفريقية التي لا تتردد في كشف الكثير من التناقضات التي تطبع الخطابات الفرنسية الرنانة من جهة، والممارسات الواقعية التي تصل حدّ الابتزاز وإثارة النعرات والصراعات إزاء إفريقيا من جهة أخرى”.

وأضاف الخبير في العلاقات الدولية أنه “إلى جانب التحديات التي أصبحت تحيل إلى بداية أفول النفوذ والهيمنة الفرنسيين في إفريقيا، لا تخفى كذلك أهمية التنافس الدولي على القارة، الذي تقوده قوى دولية كالصين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وروسيا، وقوى إقليمية، كتركيا والبرازيل، التي لا تحمل خلفها تراكما استعمارا في القارة”.

هذا نص المقال:

تعيش القارة الإفريقية على إيقاع مفارقة كبيرة، ففي الوقت التي تؤكد فيه الكثير من المؤشرات والمعطيات الواقعية احتضانها لمكونات ومقومات تجعلها على رأس الفضاءات الأكثر غنى على المستوى الحضاري بتعددها الثقافي والديني واللغوي، وإمكانياتها وثرواتها الطبيعية باحتضانها لاحتياطات كبيرة من المعادن النفيسة كالذهب والماس والكوبالت واليورانيوم…، ضمن مساحة تتجاوز 30 مليون كيلومتر مربع، تتنوع بين الجزر والجبال والسهول والغابات، وبقوة بشرية تتجاوز المليار و200 مليون نسمة، يحتل فيها الشباب نسبة هامة مقارنة مع المتوسط العالمي، فيما تتوفر أيضا على احتياطات هامة من النفط والغاز…، ما زالت الكثير من دولها تعيش على إيقاع الفقر والصراعات الداخلية وعدد من الإشكالات التي تعرقل مسارات التنمية.

إقرأ أيضا :  مسطرتي رد الاعتبار القانوني والقضائي في قانون المسطرة الجنائية

فمعدل الربط بالكهرباء مازال ضعيفا، فيما تتهدد المجاعات وسوء التغذية عددا من الدول الأخرى، مثلما هو الأمر بالنسبة لمجموعة من الدول المتمركزة في منطقة الساحل التي تعاني من غياب البنى التحتية، وتفشي البطالة، وعدم التوفر على قنوات الصرف الصحي، وضعف التغطية الأمنية، وانتشار الجماعات المسلحة.

لا شك أن هناك عوامل متداخلة تعمق الجرح الإفريقي، وتساهم في تكريس وضعية الهدر بكل أشكاله، وتمنع الشعوب الإفريقية من أن تنعم بالاستقرار والرفاه؛ فعلاوة على المستعمر الذي نهب الخيرات، وخلّف الكثير من المشكلات الحدودية، وكرس التبعية بعد خروجه العسكري، وعودة شركاته الاحتكارية إلى المنطقة…، هناك عوامل أخرى ترتبط في مجملها بانتشار الفساد، وغياب الحوكمة، وعدم الاستقرار السياسي والأمني، وهجرة الكفاءات نحو الخارج.

حقيقة أن الكثير من دول القارة استطاعت أن تقطع أشواطا مهمة على طريق تحقيق التنمية، وهو ما تعكسه معدلات النمو الاقتصادي التي بدأت تشهد ارتفاعا ملحوظا في عدد من الدول، كما هو الشأن بالنسبة لرواندا وإثيوبيا ومدغشقر وتنزانيا وكينيا…، فيما اعتمدت أخرى إصلاحات سياسية هامة، حملت نخبا جديدة إلى مراكز القرار، برؤى واستراتيجيات تحققت معها الكثير من المكتسبات، وهو ما ساهم إلى حد كبير في تغيير الصورة النمطية التي كانت متداولة حول إفريقيا خلال العقدين الأخيرين.

يرجع الكثير من الباحثين المعاناة التي تعيشها الكثير من بلدان القارة إلى إصرار بعض الدول على التعامل معها بخلفية استعمارية، وهو ما ينطبق بشكل كبير على فرنسا التي وإن غادرت مستعمراتها السابقة عسكريا، فقد ظلت توظّف الكثير من الآليات والتقنيات في سبيل بسط هيمنتها وتكريس تبعيتها لباريس.

إقرأ أيضا :  الملك محمد السادس يأمر بآلية خاصة تواكب كفاءات ومواهب الجالية المغربية

وتبرز الكثير من الأحداث والوقائع أن هناك رغبة إفريقية جامحة للتخلص من النفوذ الفرنسي، وهو الخطاب الذي تتبناه العديد من النخب السياسية الجديدة، إضافة إلى جزء كبير من الأنتلجنسيا الإفريقية التي لا تتردد في كشف الكثير من التناقضات التي تطبع الخطابات الفرنسية الرنانة من جهة، والممارسات الواقعية التي تصل حدّ الابتزاز وإثارة النعرات والصراعات إزاء إفريقيا من جهة أخرى.

ظلت فرنسا تنظر إلى مستعمراتها السابقة بقدر من التعالي، فيما لم تتوقف عن تكريس علاقات مبنية على الهيمنة والتحكم بأشكال مختلفة رغم زوال الاحتلال؛ فقد حرصت على دعم عدد من النخب الحاكمة التي ظلت وفية لخدمة الأجندات الفرنسية وضمان مصالحها على عدة واجهات اقتصادية وأمنية وثقافية، ووصل الحال بها إلى حدّ دعم انقلابات عسكرية للمحافظة على هذه المصالح، بل والتواطؤ مع نظم مستبدة ضمن عمليات إبادة جماعية كما حدث في رواندا عام 1994.

وعلى المستوى الاقتصادي، فرضت فرنسا على عدد من مستعمراتها السابقة اعتماد الفرنك الفرنسي، ما أتاح لها التحكم في سياساتها النقدية والبنكية، فيما سخرت الكثير من شركاتها الكبرى لاستغلال ثروات القارة من خلال عقد اتفاقيات مجحفة وغير منصفة، غالبا ما تصب في مصلحة باريس.

أما على المستوى الثقافي، فلا تخفى الخدمات التي تقدمها الفرنكوفونية على طريق تعزيز النفوذ الفرنسي داخل القارة، عبر النهوض باللغة الفرنسية، بما تحمله من حمولات مختلفة تستهدف الهوية والخصوصية الثقافية الإفريقية بتنوعها الحضاري.

وتجد فرنسا اليوم نفسها أمام وضع إفريقي مغاير، يقتضي منها إعادة النظر في علاقاتها مع دول القارة، وهو ما يتردد باستمرار داخل عدد من المحافل الإقليمية واللقاءات الثنائية والجماعية التي تكون باريس طرفا فيها، وقد برز ذلك بشكل واضح خلال أشغال مؤتمر القمة الإفريقية – الفرنسية، المنظمة مؤخرا بـ”مونبولييه” الفرنسية (سبتمبر 2022)، عندما طالب عدد من الشباب الأفارقة بإرساء علاقات جديدة تستوعب حجم التطورات الكبرى التي شهدتها إفريقيا، و”الحركات الجديدة” داخلها، وإلغاء الديون وسحب القوات العسكرية من القارة.

وإلى جانب هذه التحديات التي أصبحت تحيل إلى بداية أفول النفوذ والهيمنة الفرنسيين في إفريقيا، لا تخفى كذلك أهمية التنافس الدولي على القارة، الذي تقوده قوى دولية كالصين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وروسيا، وقوى إقليمية، كتركيا والبرازيل، التي لا تحمل خلفها تراكما استعمارا في القارة. فيما لا تخفى أهمية التعاون جنوب – جنوب الذي بدأت معالمه الإيجابية تبرز بشكل ملحوظ في صورة تعاون إفريقي – إفريقي مبني على التوازن وتقاسم المصالح.

إقرأ أيضا :  حي سوهو

رغم اعترافها أخيرا بوجود ما تسمّيه “أخطاء” تعتري علاقاتها مع دول القارة، إلا أن فرنسا لم تنجح بعد في بناء علاقات متوازنة ومبنية على احترام سيادة الدول؛ فأمام فشل قواتها في الحد من الإرهاب في مالي ومنطقة الساحل الإفريقي، تعالت الأصوات الداعية إلى رحيلها، بل هناك من اعتبر أن تواجدها العسكري في المنطقة يكرّس الأزمات، وحماية المصالح الفرنسية بدل إرساء السلام المستدام في هذه المناطق الملتهبة، بينما دعا بعض الباحثين والفاعلين المدنيين الأفارقة إلى التخلص من الفرنك الإفريقي، بل والمطالبة باعتراف فرنسا بمسؤولياتها إزاء عدد من الجرائم التاريخية المرتكبة في حق شعوب القارة.

تؤكد كل هذه التطورات أن العلاقات الفرنسية – الإفريقية تعيش أزمة ثقة حقيقية، تقتضي من باريس إعادة ترتيب أوراقها وحساباتها.

#لكريني #يقارب #سياقات #وخلفيات #أفول #النفوذ #الفرنسي #في #الفضاء #الإفريقي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى