مأزق المغالطة التونسية!

تقول تونس “قيس سعيد” لتبرير الموقف المعلوم: إن”الاتحاد الإفريقي”، بصفته مشاركا رئيسيا في تنظيم ندوة طوكيو الدولية، قام بتعميم مذكّرة، يدعو فيها كافة أعضاء الاتحاد الإفريقي للمشاركة في فعاليات قمة “تيكاد” (= منتدى التعاون الياباني الإفريقي) بتونس، و قد وجّه أيضا رئيس المفوضية الإفريقية دعوة فردية مباشرة للبوليساريو لحضور القمة، وتأتي هاتان الدعوتان تنفيذا لقرارات المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي في اجتماعه المنعقد يومي 14 و 15 يوليو 2022. إذن تونس، وبكل “براءة”، بعيدة عن كل شبهة، وبالتالي تعلن استغرابها، بل تدمرها من الاحتجاج المغربي. وهي براءة، على كل حال، مشكوك فيها خاصة إذا وضعناها في سياق امتناع تونس، ولأول مرة في تاريخها، في مجلس الأمن عن التصويت على القرار رقم 2602 القاضي بتجديد بعثة “المينورسو” في الصحراء لمدة سنة، وذلك في آخر شهر أكتوبر 2021.

يرد المغرب، وفي نفسه شيء من غموض، إن مؤتمر “تيكاد”، أيها “الإخوة”، ليس اجتماعاً للاتحاد الإفريقي، ولكنه إطار شراكة بين اليابان والدول الإفريقية، التي لها علاقات دبلوماسية معها، وبالتالي فإن هذا المنتدى هو جزء من “الشراكات الإفريقية” التي تكون مفتوحة فقط للدول الإفريقية المعترف بها من قبل الشريك. وبالتالي فإن قواعد الاتحاد الأفريقي لا تنطبق في هذه الحالة، بل الأكثر من هذا فالموقف الافريقي يستند إلى قرار قمة “الاتحاد الإفريقي” رقم 762، الذي يوضح أن إطار عمل “تيكاد” ليس مفتوحا في وجه جميع أعضاء الاتحاد الإفريقي، وأن صيغة المشاركة مؤطرة بنفس القرار، ومن خلال ترتيبات مع الشريك، و لهذا تم إرسال الدعوات إلى الدول الإفريقية التي لها علاقات دبلوماسية مع اليابان، و ذلك بعد الاتفاق، منذ البداية وبموافقة تونسية، على أن الدول التي تلقت دعوة موقعة، من قبل رئيس الوزراء الياباني والرئيس التونسي، هي وحدها التي ستتمكن من المشاركة في “تيكاد”.

إقرأ أيضا :  تطورات دبلوماسية متسارعة.. السفير التونسي في الرباط يغادر المغرب

و لذلك لم يكن لتونس الحق، أبدا، في توجيه دعوة، أحادية الجانب، خاصة أنه من المفترض، إذا أحسنا النية، أن ليس هناك ما “يلزمها” بذلك، بل الأكثر من هذا اتجهت تونس إلى سن مسطرة خاصة بها، و في تعارض واضح مع الإرادة الصريحة والموثقة رسميا في مذكرة الشريك الياباني الصادرة يوم 19 غشت 2022. هذه الوثيقة من المفترض أنها قدمت لتونس حجة و مرجعا قويا للتخلص من أية ضغوط خارجية، وبالتالي وإنقاد موقفها الاستراتيجي التاريخي بخصوص قضية الصحراء، والذي سيمكنها من لعب أدوار طلائعية في احتضان و تدبير أي حوار ممكن حول مستقبل المنطقة المغاربية، قيمة هذا التموقع الاستراتيجي، الذي صنعته الممارسة الديلوماسية التونسية عبر تاريخها المعاصر، كان كافيا، من أجل حمايته، لكي تقول للجميع: لن أفرض على الشريك الياباني أي مشاركة خارج موافقته، وهذا لن يشكل لها أي احراج أمام أي كان.

لو كانت الامور عادية، والنيات سليمة، والرؤية استراتيجية لتفادينا الآن معالجة نتائج ذلك “الاستقبال المعلوم”، الذي بعثر رصيد تونس الدبلوماسي.

إقرأ أيضا :  اثار إلزامية جواز التلقيح على علاقة الشغل

إذن من زاوية المساطر القانونية، فقد كان الرد المغربي أكثر إقناعا، و حتى المسؤولون الدبلوماسيون التونسيون السابقون، ومعهم جزء مهم من النخب السياسية التونسية، اعتبروا الاستقبال قرارا رئاسيا، بحسابات سياسية تخص الرئيس وحده، بعيدا عن تاريخ الدبلوماسية التونسية، وعن الرؤية الاستراتيجية التي أسسها الزعماء الاوائل في إدارة ملف الصحراء، وأن الاختباء وراء المساطر القانونية، سواء التي تهم الاتحاد الإفريقي، أو التي تهم قمة تيكاد في دوراتها السابقة، لا تقدم أي حجة مساندة لموقف الرئيس التونسي لتغيير موقف بلاده التاريخي من قضية الصحراء.

النتيجة التي اضطر المغرب اضطراراً إلى استخلاصها هي أن “البيان” التونسي عمق الغموض، عوض توضيحه أو إزالته، ولذلك كان ملزما بأن يبنى على الشيء مقتضاه.

هذا الموضوع له ما بعده، ويمكن أن نقول: لقد كان له ما يشبهه قبله أيضا. أستحضر، بالمناسبة، خاطرة للمفكر المغربي عبد الله العروي سنة 1987 يقول فيها: “استُدعي ممثل البوليساريو إلى اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، وألقى خطابا شبّه فيه الوضعين في الصحراء وفي فلسطين، فاضطر الوفد للمغربي إلى مغادرة القاعة. ورغم أن القادة الفلسطينيين أوضحوا أن ضيوفهم وضعوهم أمام الأمر الواقع، وقدموا اعتذاراً رسمياً للمغرب، فإن المغرب قرر مقاطعتهم في أي اجتماع عربي أو دولي مقبل”.

إقرأ أيضا :  ارتواء بدم وحش ضار..

هكذا كان الأمر مع “فلسطينيو الأمس”، الذين اعتذروا على الفور، لأنهم أدركوا بحسهم وتجربتهم الخطورة السياسية للأمر؛ أما “تونسيو اليوم”( أي الذين يحكمون اليوم وليس كل تونس طبعا) فما اعتذروا، بل أولوا ما شاء لهم التأويل، ولم يكلفوا أنفسهم التمعن، ولو قليلا، في العبارة الواضحة في البلاغ المغربي والتي تقول بالحرف: “إن الاستقبال الذي خصّصه رئيس الدولة التونسية لزعيم الميليشيا الانفصالية يعد عملا خطيراً وغير مسبوق، يسيء بشكل عميق إلى مشاعر الشعب المغربي…”! عوض أن يتأملوا عمق هذه العبارة الدالة ونتائجها على مجمل العلاقات المغربية التونسية، ختموا بيانهم ب “رفض التدخل في شؤونهم الداخلية(هكذا!)، وفي سيادة قرارهم الوطني” حسب تعبير “البيان الذي لا يبين”! أهكذا يكون البيان والتوضيح في مسألة يعلم الجميع، بمن فيهم النخب التونسية الرافضة و ذات الحس السياسي الاستراتيجي، أنها قضية تقع في صلب الأمن القومي المغربي؟!

لا نريد أن نصدق من يقول: “العرب متطفلون على السياسة رغم أنها شُغلهم الشاغل، وصناعتهم الوحيدة”!

The post مأزق المغالطة التونسية! appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

#مأزق #المغالطة #التونسية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى