منطق الانبناء النصي في “شمس الما”

إن الأسلوب هو إخضاع اللغة للتنوع، وهو تعديل أو تشكيل وشدٌّ للغة بأكملها إلى الخارج (- جيل دولوز).

تقديم:

لا يعد الزجال المغربي احميدة بلبالي مجرد شاعر يكتب بلغته الأم، بل هو كذلك بُلبل متأمل مجدد ما انفك يحفر في تربة الزجل المغربي الخصبة من أجل تحديث القصيدة الزجلية المعاصرة، ومساءلة منجزها النصي ومستقبلها الجمالي، بمعية كوكبة من الزجالين المغاربة المعاصرين الذين رسموا للزجل المغربي أفقا آخر بموجبه استطاعوا إنتاج قيم جماليات جديدة في معمار القصيدة الزجلية المعاصرة، وتوسيع قاعدة جمهورها، إن تذوقا أو نقدا.

وتعد القصيدة البلبالية قصيدة حداثية بامتياز، تجلى تفردها الدالي والدلالي والتداولي وتكوثرها الجمالي في جغرافية الزجل المغربي منذ ديوان “لسان الجمر” الأول، الصادر سنة 2004، وتمظهرت بشكل جلي حداثتها مع الديوان الثاني “الرحيل ف شون الخاطر” الصادر سنة 2009، لتترسخ شعريتها الحداثية في الديوان الثالث المتميز “شمس الما”، الصادر عام 2011، وديوان “بريه ف كم الريح” الصادر سنة 2016، وكلها دواوين صدرت في طبعات أنيقة نصا ومناصا.

وقد اخترنا في هذه المقالة النقدية الحفر في ديوان “شمس الما”، بغرض الكشف عن منطق الانبناء النصي في قصائد الديوان، إن تركيبا أو دلالة، أو تصويرا، من خلال محورين رئيسين متكاملين هما: منطق اللغة الزجلية، أو الانبناء الشكلي، ومنطق المعنى، أو استراتيجيات انبناء الدلالة في القصيدة الزجلية البلبالية.

1- منطق اللغة الزجلية في ديوان ‘شمس الما’:

بداية لنتفق، على أن التكوين العلمي الرياضي للشاعر احميدة البلبالي قد أضفى على قصائده تكوثرا جماليا مغايرا ونكهة خاصة، ميزته في الساحة الزجلية عن كثير من مجايليه من خريجي الشعب الأدبية أو الزجالين المطبوعين بالفطرة.

ولا يخفى أن هذا التكوين العلمي قد أثَّر في التجربة الزجلية للشاعر احميدة البلبالي، بدرجة أثمرت وعيا مضاعفا بماهية اللغة، وخِطَطِ تثويرها وتطويرها، خاصة حين انتقل الشاعر من الاشتغال باللغة الصناعية التي تمثلها في تكوينه الأكاديمي، إلى الانغماس في اللغة الطبيعية/الأم التي اتخذها آلة للخلق الجمالي للقول الشعري الزجلي.

من هنا وبناء على هذا الازدواج اللغوي الصناعي والطبيعي يجوز لنا التساؤل عن المنطق المتحكم في بناء القصيدة الزجلية البلبالية وأسرار صناعتها، كلمة وصورة ودلالة؟

إن الناظر في نصوص ديوان “شمس الما”، يجد أن منطق اللغة الزجلية عند شاعرنا يقوم على مبدأي النقل والتحويل، حيث تفصح نصوص الديوان عن أننا أمام شاعر واع باستراتيجية النقل المنطقي للألفاظ من لغة العامة إلى لغة الزجل المجازية، من خلال تحليل معجم الدارجة المغربية وتفكيك تراكيبها وتأمل دلالات مفرداتها والتمييز بين دلالاتها المتنوعة في إطار تأويلي مخصوص، بموجبه يعيد بناءها بناء تصويريا مغايرا عن طريق استراتيجية الانزياح، بأبعادها الانقلابية، والتحويلية التوليدية البانية لصور شعرية بقدر ما تشترك بنيتها السطحية مع عبارات الناس بقدر ما تخرج بنيتها العميقة عن مألوف لغة الناس، بلاغة ومقصديات.

وللتدليل على كيفية اشتغال منطق اللغة في القصيدة البلبالية، نسوق مجتزأ من قصيدة “إِزُورَانْ”:

إقرأ أيضا :  رئيس الحزب الشعبي الإسباني يشيد بالمغرب

“جرحت لوْساده/ برموش عيوني/ سالْت لحلام/ تْفَرْكَلْ قدامي/ تموت هي/ وتخليني وحداني/ الليل ابرد من رخام/ فْ ليالي حياني/ وحيّاني سهران/ ركادي من احلامه عريان/ آ ش جا ما دفاني/ فكل ليله/ نحطب من غابة الروح/ نشعل شواقي/ نخلي ناري تكَدي/ ونسافر فزماني/ نسكن الما/ حتى يهرب/ لبحر من لبحر/ حتى يبان لبر/ نرحل في كهوفُه/ نخَاوي ظلامي/ نتعلم لكلام الأول/ نخطط على احجار كهوفي/ حروفي/ تشهد عليا/ أنا كنت هنا/ قبل ما تعطس لْرْضْ/ ويبانو لجبال/ بيدي شاد قْبة السما/ ورجلي فبحر الظلمه/ نخيط السحاب مع لمواج/ نرافق حورية لبحر/ نْعَنقها نص امرا/ ونخلي النص الثاني/ للصيّاده/ ليلة الكَمرَة/ نْهيم أنا وايَّاها/ بعيد على عيون الحضايه/ فصفة جوج طيور/ حولتنا الحجايه/ مللي خالفنا قانون لقبيله/ وتلف ملقانا/ على طراف الأرز/ داع غنانا / الناس تتمتع بيه/ واحنا / شوق لفراق بكانا…”، (شمس الما، ص: 53-56).

فهذا المجتزأ التمثيلي، يبين بشكل جلي منطق الانبناء النصي الشكلي في القصيدة البلبالية، واختلاف دلالتها عن دلالات العامة رغم اشتراكهما التركيبي على مستوى سطح العبارة، جراء مراعاة شاعرنا لمقتضيات النقل والتحويل التي يفرضها منطق التعبير المجازي/ الرمزي، الذي تقتضي محمولاته الثورة على المرجع، وإقامة علاقات شرطية بين ملفوظات متنافرة، في معجم العامة، والتأليف في ما بينها تأليفا تكامليا، لتوليد صور مجازية بكر، وجمل شعرية أخاذة بقدر ما تصدم بنيتها لغة المتلقي المعتادة، بقدر ما تأسره تكوثراتها الجمالية وبيانها العالي.

ومن النماذج الزجلية الدالة على عبقرية الانبناء النصي في القصيدة البلبالية نورد المقطع السابع من قصيدة “يد الشوق”: “مديت يدي/ نشعل فراس الشوق/ ضُو لْلستر/ ضربني الضو/ دخْت علحروف/ وطوال السطر/ الفكره اللي توحمت بيها عمر/ عمَرْتْ بيها/ وركدات/ نار كَدَاتْ فالصدر/ حلمت بيها / حملت بيها/ ولدتني صخرَه/ هزِّيتْها فالظهر/ وقصدت راس الجبل/ نْجنِي من الشوف/ طلَّه ابعد من النظر / نهديها ليكم علامَه/ تطلق سراح السفر/ ترسم مسرب/ لخفة الرجل” (شمس الما، ص: 106).

نلمح في هذا المقطع، وفي قصائد أخرى، بشكل جلي، بلاغة التأليف والانبناء النصي في القصيدة البلبالية، واسْتراتيجيات خَرق السند -La subversion- عن طريق الانزياح الاستبدالي، التركيبي و الدلالي الباني لأقاويل شعرية ومشهدية تصويرية منفصلة جماليا عن المتداول في لغة الناس بحرفية أسلوبية عالية تجعل اللغة خاضعة لمنطق التنوع، بعد شدها إلى الخارج -بتعبير جيل دولوز- لتشكيل نسق مجازي موسع يمنح القصيدة الزجلية البلبالية جمالية نصية خاصة تترى بالمتواليات البلاغية، من تقديم وتأخير؛ وإضمار؛ وعدول؛ وفصل ووصل؛ وحصر؛ وتهجين نصي-عربي- أمازيغي-، وهلم تكوثرات جمالية بلاغية يحفل بها ديوان “شمس الما”.

إقرأ أيضا :  النهج الديمقراطي يدعم "وحدة تراب الصين"

2- منطق المعنى أو الانبناء الدلالي في ديوان “شمس الما”:

“دخلنا باب ليام

نقلبو عالمعنى

خرجنا من شرجم الوقت

والسؤال اللي فالبال

سابقنا” (شمس الما-ص:83).

لبحث منطق الانبناء الدلالي في ديوان “شمس الما”، لا بد من النظر في بنية الصورة الشعرية البلبالية، ما دام المعنى يتشكل وينمو ويتشعب داخلها، فضلا عن كونها -أي الصورة الشعرية- فضاء التشكيل الدلالي المركزي والأرحب بامتياز.

والناظر في قصائد ديوان “شمس الما” يجد أنها طافحة بالصور الشعرية الحبلى بالدلالات المعبرة عن العواطف والمواقف الذاتية والموضوعية والجمالية، كما تنم عن شاعرية عالية، ووعي بلاغي حداثي متحرر من الاشتراطات التي تفرضها بلاغة التصوير عند العوام.

أما المنطق المتحكم في انبناء معناها فهو منطق سببي تتابعي، حيث لا تبنى الصورة الشعرية عنده دفعة واحدة بل وفق منطق تتابعي، يراعى فيه تقسيم المعنى الكلي وبناؤه بناء مشهديا تجزيئيا من قبل الشاعر، مما يفرض على القارئ أن يكون صاحب ذائقة عالية حتى ينخرط -هو- في إعادة بناء الصورة الكلية والإحاطة بالروابط الأسلوبية التي تربط بين أسبابها الجزئية، كي يتجسد له بعد هذا الربط والتتبع المعنى الكلي الذي كان مطويا وموزعا في البنى التركيبية للقصيدة.

ومن نماذج هذا المنطق التتابعي التجزيئي الذي يتحكم في بناء الصورة الشعرية في ديوان “شمس الما” نمثل بمقطع من قصيدة “سر الشعى”:

“ومازال نلعبو

غميضة

نفكرو

نقلبو

نفكُّو الْخُبِّيره

نصنعو المحال

حاجِيتَك وماجِيتك

أيا صاجبي

السر مكنون فأعماقي

فحرفي

بحرفي

حفرته وتحرَّفتُه

وزيّرت السّمطه عليه

صبّطت القلب الحافي

وخلِّيت ليك الخُبِّيرَه

احفر

عرِّيه بنواور عقلك

واعقل

فين وصلتي

اعبر غُرقُه

حتّى نعرف اعْماقِي” (سر الشعى- ص: 84).

يتضح لنا جليا من هذا المقطع التمثيلي، أن المعنى الكلي لا يكتمل دلاليا إلا عبر الربط الخطي بين ثلاثة أجزاء/ صور مشهدية متتابعة، مفتتحها (ومازال نلعبو) ووسطها (حاجيتك وماجيتك يا صاحبي) وختامها (اعبر غرقه/ حتى نعرف عماقي) هذه الخاتمة التي جاءت كقفلة تصويرية درامية قَفَلَ بها الشاعر حواريته مع آخره / أو أناه التقديري، الذي زعم أن استراتيجية الحفر في أعماق الذات هي الكفيلة بتعريفه بأحوال ذاته الحقيقية والإجابة على كل الأسئلة الوجودية التي تخالج هذه الذات.

كما يتجلى هذا المنطق التتابعي من خلال أول قصيدة في الديوان، التي عنونها بـ”رْيُوس المعنى”، وقسمها إلى واحد وعشرين مشهدا؛ كل مشهد تشكل من صورة شعرية مخصوصة، لكنها في الوقت ذاته مرتبطة ارتباطا عضويا بما يليها كما نلمحه -على سبيل التمثيل لا الحصر- في الصور المشهدية المتتابعة والمتكاملة في المقطع رقم 20، من قصيدة “ريوس المعنى” المعنون “براس الساعة”:

إقرأ أيضا :  ‪القوات البحرية المغربية تتفاوض على صفقة صورايخ مضادة للغواصات الحربية‬

“(الراس الأول: على راس كل ساعه/ كنحقق كَانتي/ حتى إيلا فات الفوت/ ما يكون لعمر فاتني).

(الراس الثاني: حققت الكَلسة على سهرَه وربع/ بدا الكاس يدور ومعاه الصرف/ ملي راس الوقت غنَّى وشبع/ كان رقاص الدقيقة طايِح لُو لكتف).

(الراس الثالث: حقق الجلسة على سهره وربع/ وعطاها لـ النشاط/ ملي ضربتُه الفيقه كان صباح قلّ ربع/ وراس الوقت عاطي منّثه الشياط).

الراس الرابع: على راس كل ساعة/ كنحزم لوقت راسُه/ خايف يقني لي مصيدَه/ ونحصل في باسُه)، (ص: 17-18).

من هنا، وبناء على هذه النماذج المقدمة التي تجسد المنطق التتابعي المتحكم في بناء الصورة الشعرية وتشكل المعنى في نصوص احميدة بلبالي، يجوز لنا تشبيه هذا الترابط المشهدي والتكامل بين الأجزاء المكونة للكون الدلالي في قصيدته، بشجرة فورفوريوس، التي ترتبط كلياتها الخمس ببعضها البعض ارتباطا عضويا.

كما تجدر الإشارة، إلى أن عمق الصورة الشعرية عند احميدة بلبالي يتمظهر أيضا من خلال قدرته على الرسم الخرافي بالكلمات بدرجات تفوق حدود العقل، باعتماده خلطة سحرية مخصوصة في بناء صوره الشعرية التي يوجهها منطق جدلي قوامه خلق علاقة وصل جمالي بين المتناقضات وعلاقة تَمَاهٍ وتآلف بين المتنافرات. كما يظهر في المقطع الثالث من قصيدة “يد الشوق” (مديت يدي / نمسح وجه الما/ من غشاوة ليام/ يبان خيال/ نساته الكَمْرَه/ ليلة الظلمه/ وطلّت تقلب عليه/ طَلبتْ عْوِينْ النجوم / يابعة ليها ملوك السما/ حلّت فيها بيبان/ شفت فيها شلا طرقان/ طرقان تدِّي للتّيهْ/ طرقان تدِّي للتلت لْهيه/ طرقان تجليني/ تديني حتى للحجره/ الراكدة على صدر المعنى وتخليني).

وعلى الإجمال فإن الناظر في تجربة الشاعر احميدة بلبالي عامة، وديوان “شمس الما” خاصة، يجد أنه أمام شاعر من طينة شعرية مغايرة، حرفا وموقفا، شاعر مكنه تكوينه الرياضي من التفلسف في هندسة معمار قصيدته، كما مكنه التخييل الزجلي من تجاوز حدود العقل المجازي المعياري للغة، مما انعكس إيجابا على شاعريته، وصوره الشعرية التي يزدوج فيها الكون الدلالي بالبنى التركيبية ويكملها توليديا وتحويليا، بدرجة يغدو معها كل خرق تركيبي خرقا دلاليا يفرض على القارئ بذل جهد تأويلي لإدراك صلة الوصل بين المعنى الظاهر الذي يطفو على سطح العبارة، والمعاني المضمرة العميقة التي أضمرها الشاعر في باطن العبارة، ووزعها في فضاء القصيدة وفق مقصدية تصويرية / تَصَوُّريّة خاصة.

#منطق #الانبناء #النصي #في #شمس #الما

زر الذهاب إلى الأعلى