هل تعود البشرية إلى حالة الطبيعة؟

صورة: أرشيف

زوهير النبيهالأربعاء 14 شتنبر 2022 – 12:34

يبدو أن التقنية تطرد عكسيا والقيم، حيث إن منحى سير كل ما هو تكنولوجي يمشي عكس منحى ما هو قيمي وأخلاقي، والظاهر أن تطور التقنية وتقدمها يقابله تقهقر القيم ونكوص الأخلاق. ولا تحتاج هذه الملاحظة الأولية لكثير من التدقيق والتمحيص للوقوف على وجاهتها ودقتها ومدى تحققها على أرض الواقع المعيش. ورغم ما توصل إليه البشر في الميادين العلمية، وما حققه من تقدم تقني فإنه لم يتمكن من تحقيق العيش المشترك السلمي البعيد عن التحارب والتقاتل. وتشهد على هذه النظرة الأولية ملاحظة أمبريقية تتمثل في تفشي الحروب بجميع أنواعها، والتنازع الدائم الذي تعرفه البشرية، والبون الشاسع بين الشعوب والتفاوتات التي تنخر جسم المجتمع الواحد. كما يبدو خطاب التسامح والعيش المشترك خطابا حالما رومانسيا تقابله أفكار براغماتية تنتصر للمصلحة والغاية تبرر الوسيلة في ظل السياسة المسماة واقعية. ويتشكل شيئا فشيئا خط النكوص من حالة الثقافة إلى حالة الطبيعة التي نظر لها الفيلسوف الإنجليزي هوبس، حيث يسود قانون القوة، وتعود حالة حرب الكل ضد الكل، وإن لم يكن الواحد قاتلا فهو مقتول، وتتحقق مقولة الإنسان ذئب لأخيه الإنسان.

إن اشتعال الحروب في جل أرجاء العالم، والتوتر الدائم بين الجيران الذي وسم العلاقات بين الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، والتي اعتبرت شعوبها متخلفة وثالثية وهمجية يغلب عليها طابع التمرد وحيازة السلطة بالعنف في كثير من الكتابات على مدى زمني ليس بالقصير، يصل اليوم وبشكل مباشر إلى القارة الأوروبية المتقدمة والمتحضرة والمتطورة، لتظهر جلية الخطيئة البشرية بجميع ألوانها، ويبرز “الخوف المستمر وخطر الموت العنيف، وحياة الإنسان المنعزلة، والفقيرة، والشريرة، والبهيمية” طبعا مع تفاوتات في الدرجة والحدة حسب السياقات التاريخية والجغرافية. ويحق لنا اليوم والحالة هاته أن نطرح الأسئلة التالية: هل تعود البشرية إلى الوحشية والبربرية بعد كل ما تحقق من الحضارة؟ وهل نشهد اليوم تغيرا لمنحى الفكرة التطورية التي أسس لها الغرب، وهل ستنقلب المتتالية التي تبتدأ بالوحشية وتمر بالبربرية تتوج بالحضارة التي نظر لها الأنثربولوجي الأمريكي لويس مورغان على عقبيها؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار ما وصلت إليه البشرية اليوم تقدما؟ أسئلة سنحاول الإجابة عنها فيما يلي من سطور.

إقرأ أيضا :  شهادة إدارية خاصة بعقار غير محفظ

يغلب في الزمن الراهن الذي وصلت فيه البشرية إلى درجات كبيرة من التقدم التقني خطاب القوة والتهديد، وصل إلى حد الإنذار بتخريب العالم كله كما شهدناه في تصريحات قادة روسيا وفلاسفتها، بعد أفول لغة جلب حقوق الإنسان والحرية القادمة من الغرب، والتي أبانت التجربة في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا وفلسطين أنها مجرد وهم، كحكاية ”الحماية” التي استعملتها الدول القوية في مطلع القرن العشرين لسرقة ونهب خيرات ومقدرات دول شمال إفريقيا الضعيفة، خصوصا بعد الحرب العالمية الأولى. ولا يخفى أن موجة الاحتلال تقوت مع الثورة الصناعية التي عرفتها أوروبا حيث سعت دولها القوية إلى التوسع للبحث عن المواد الأولية من جهة وأسواق جديدة لتصريف فائض الإنتاج مع ما صاحبه من هدم لثقافة المستعمَرين وتعويضها بثقافة المحتل التي اعتبرت الوحيدة القادرة على تطوير المجتمعات المسيطَر عليها مما أدى إلى تدمير بنية هذه الأخيرة وتشويه هياكلها.

يبرز بوضوح تزامن التقدم التقني والتأخر القيمي الأخلاقي في التعامل بين الدول القوية والأخرى الضعيفة على مستوى الأشياء الذي يمتد إلى مستوى الأسماء. فيطلق على البلدان الضعيفة التي لم تتمكن من إنتاج التكنولوجيا والأسلحة المتطورة للدود عن مقدراتها دول ما وراء البحار، أو العالم الآخر، أو المتخلفة، أو النامية، أو في طور النمو، والتي تضطر إلى استهلاك ما لا تنتجه، فانتقلت مجتمعاتها مباشرة إلى النموذج الاستهلاكي دون المرور عبر نموذج التصنيع، والذي احتكرته الدول القوية من خلال الهيمنة على المعرفة وإنتاج قوانين الملكية الفكرية وبراءة الاختراع، ووضع العلم موضع السرية، مثلما استحوذت من قبل على مناطق واسعة من العالم، بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر بالعنف والتقتيل والمكيدة، كانت مأهولة بسكانها منذ آلاف السنين تحت مسمى “الكشوفات الجغرافية”. وتستغل الدول القوية الهيئات والمنظمات الدولية من أجل الترويج لخطاب الإرث الحضاري الإنساني وخطاب المحافظة على البيئة وذلك لضمان السيطرة على الموارد الطبيعية التي تزخر بها البلدان الضعيفة. ولا تسري مقولات الإرث الإنساني المشترك على المعرفة التقنية والعلوم، فهي حكر على الأقوياء، تحفظها لهم القوانين والمعاهدات الدولية التي قاموا هم بكتابتها. يدفع هذا الخطاب المزدوج إلى التساؤل عن مدى محايدة القوانين وقدرتها على ضبط الأقوياء. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك واعتبار أن إصدار القوانين ما هو إلا ”إنتاج لقيود جديدة على الضعفاء، ومنح الأقوياء قدرات جديدة” كما جاء في مؤلف روسو حول أصل التفاوتات بين البشر.

إقرأ أيضا :  سؤال المحاسبة إلى متى؟

تتحرك البشرية نحو مزيد من الهمجية والبربرية في ظل سياسية الهيمنة والتسابق المحموم نحو “الريادة” العسكرية والاقتصادية. فأصبح القتل وسفك الدماء وتجويع فئات كبيرة من البشر شيئا عاديا روتينيا يؤثث المشهد الإخباري اليومي على شاشات التلفزيون وعلى صفحات الجرائد. وأصبح “طبيعيا” منظر آلاف المهجرين الفارين من الحروب محجوزين على حدود الدول، ساكنين الخيام في جاهلية جديدة دون أدنى شروط العيش الكريم، يستجدون الطعام والشراب، أو تائهين في شوارع الغربة يمدون أيديهم للمارة والسائقين لعلهم يحصلون على بعض القروش. وبدأت تنطفأ شيئا فشيئا شعلة الإنسانية في البشر. وبدأت بوادر العودة الى حالة الطبيعة الوحشية تبرز. فلم يعد حال الضعفاء ولا الأطفال ولا المهجرين ولا المقتولين يحرك القلوب ولا العقول.

#هل #تعود #البشرية #إلى #حالة #الطبيعة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى